كي تتخيل مدى تغلغل حب الشهرة في نفوس الناس تأمل الهيبة التي يعاملون بها مذيع قناة تليفزيونية مشهورة، تأمل رهبتهم ووقارهم إذا ما صادف ووقفوا أمام الكاميرا لينالوا شرف اللقاء المتلفز، لا أحد تقريباً يستطيع مقاومة إغراء الكاميرا والمايكروفون، بل وربما يدفع بعض الأشخاص ثمناً باهظاً مقابل دقائق معدودة يظهر فيها خلف الشاشات ..

ما هو السر الكامن في حب الناس للشهرة؟ الطفل الصغير يحاول بشتى الطرق لفت أنظار أمه إليه، ويضحك في سعادة عندما يكون محور الاهتمام والحديث، يصاب المراهق الصغير بالغيرة من صديقه إذا اشترى حذاء جديداً أو ركب سيارة مميزة تلفت إليه نظرات الإعجاب، يحاول الآخر حصد شيء من الاهتمام بقصة شعر جديدة أو موضة ملابس غريبة أو حتى برفع صوت مسجل السيارة عند العبور أمام الأسواق أو الوقوف في إشارة المرور.
ذلك التعطش الكبير للتميز ولفت الأنظار يبدو كجزء غريزي في النفس البشرية، فهو مصدر للأمان والثقة لدى الصغار ومصدر للقوة والنفوذ لهم عندما يصبحون كباراً.
حب الظهور هو الوقود غير المحسوس الذي قاد عربة الإبداع والفنون عبر التاريخ. هو الذي ألهم حضارات ما قبل التاريخ كي يحفروا نقوشهم في الكهوف، وأن ينحتوا بيوتهم في صخور الجبال، وهو الذي دفع الشعراء ليتنافسوا فيما بينهم ويتفاخروا بمدى شهرتهم وذيوع صيتهم حتى قال قائلهم:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ** إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
ليس الحب ولا الحنين ولا الألم ولا الشوق ولا الحزن هو ما يدفع الأدباء ليبدعوا، فلو كان ذلك وحده دافعهم لاكتفوا بالحديث لأنفسهم وبينهم وبين خاصتهم، لكنه ذلك الهاجس الخفي الذي يدفع كل واحد فيهم ليبحث عن موضع لاسمه في وجدان الناس وعلى ألسنتهم.
الشهرة تجلب الاهتمام والأتباع والمعجبين، وفي أوقات كثيرة تجلب معها المال والحظوة والنفوذ، وترسم صورة خيالية غير مطابقة للحقيقة عن الشخص المشهور، صورة تعكس تصورات وأوهام المعجبين أو الكارهين أكثر مما تعكس الحقيقة. لذلك يسيل لعاب الكثيرين لبلوغ تلك المكانة، وتستبد بهم الرغبة للبقاء تحت الأضواء مهما كلف الأمر، فيفقد المرء اتزانه ويتخلى عن بعض ثوابته مقابل أن يظل محوراً للحديث والاهتمام، وتتضاعف المعضلة عندما يكون الشخص عديم الموهبة فقير الإمكانيات، فيلجأ للكذب والتزوير أو التطرف في الأفعال والأقوال الشاذة فقط كي يبقى ذكره بين الناس كما فعل الأعرابي الذي بال في بئر زمزم وعندما سئل عن سبب فعلته تلك قال كي أشتهر بين الناس!.
كي تتخيل مدى تغلغل حب الشهرة في نفوس الناس تأمل الهيبة التي يعاملون بها مذيع قناة تليفزيونية مشهورة، تأمل رهبتهم ووقارهم إذا ما صادف ووقفوا أمام الكاميرا لينالوا شرف اللقاء المتلفز، لا أحد تقريباً يستطيع مقاومة إغراء الكاميرا والمايكروفون، بل وربما يدفع بعض الأشخاص ثمناً باهظاً مقابل دقائق معدودة يظهر فيها خلف الشاشات.
ذلك الثمن الباهظ ليس مادياً بالضرورة، فهناك ضريبة خفية للشهرة لا يدركها كثيرون ممن وقعوا في شراكها إلا متأخراً، فالشهرة تجعل صاحبها في امتحان مفتوح لا نهاية له، امتحان لقيمه وأخلاقياته وثباته على مبادئه أمام المغريات، وامتحان أكبر لقلبه ولوجدانه وثباته العاطفي، فهو وحده من ينبغي له أن يذكر نفسه أنه ليس الإنسان الرائع الذي يراه الجميع كذلك، وأنه مليء بالعيوب والأخطاء والنواقص، وأن العبقرية والذكاء والقدرة على إنجاز الأعمال لا تتناسب طردياً مع شهرتك وعدد معجبيك. فالإنجاز والإبداع في العمل يحتاج الموهبة والإصرار وبذل الجهد ولا تزداد جودة العمل إذا كان منتجه مشهوراً أو لا.
لذلك كانت هناك قلة نادرة من الأذكياء الذين أدركوا خطر الشهرة الكامن ففروا منها وحذروا من يحبون من عواقبها، فهم يتبرأون من نسبة أي فضل إليهم بل يحذون حذو نبي الله سليمان في قوله (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر)، يعترفون بضعفهم وتقصيرهم وقلة حيلتهم، ويرددون دوماً «لا تكن ولياً لله في العلن وعدواً له في السر».
الأذكياء حقاً هم الذين يستطيعون أن يقصدوا بعملهم وجه الله ورضاه لا رضا المعجبين والأتباع، الذين يحذرون فتنة المدح والإعجاب كما يحذر الآخرون فتنة المنع والإكراه.
أورد ابن الجوزي موقفاً لمحمد بن يوسف الأصفهاني وهو العالم المشهور أنه كان لا يشتري خبزه من خباز واحد، بل يشتري في كل مرة من خباز مختلف، فلما سئل في ذلك قال «لعلهم يعرفونني فيحابونني فأكون ممن يتعيش بدينه».
ولمحمد بن يوسف كذلك عبارة جميلة تصلح كمقياس دقيق لتعلق المرء بالشهرة؛ إذ يقول ناصحاً أحد إخوانه «حدث الناس وعلمهم، لكن انظر إذا اجتمع الناس حولك، كيف يكون قلبك؟».
سواء كنت مشهوراً أو غير مشهور، احذر أن تستولي على قلبك فتنة الشهرة، وقانا الله وإياكم منها، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل.

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٢) صفحة (٩) بتاريخ (١٨-٠١-٢٠١٧)