د. أرسلان عابد - جامعة الملك سعود

د. أرسلان عابد – جامعة الملك سعود

مارست الإدارة.. وذلك بالاحتكاك بقيادات تعليمية.. بعضهم كانوا أفذاذا.. ولكن ما الذي جعلهم متميزين ومختلفين؟ وما هي مواصفات القائد؟ هناك مقولة بأن كل قائد هو إداري.. وليس كل إداري بقائد.. وأنا أقول بأن الإداري إداري والقائد قائد.. فهناك من «يدير» مؤسسة تعليمية بطريقة «مكانك سر».. وهناك من يقودها إلى رحاب وآفاق أوسع.. وشتان بين الإثنين! فالقيادة تعني أنه لا سقف للطموح.. وأن التطوير عملية مستمرة.. ومتى ما ظن بعض أنهم وصلوا القمة.. فحينها هناك احتمالان لا ثالث لهما.. إما أن يبدأوا بالنزول والتراجع.. وإما أن يظلوا على قمتهم.. ليأتي آخرون ويسبقوهم إلى قمة أعلى..
ولا أريد أن أخوض في مواصفات القائد الناجح لأن هذا ليس موضوعنا.. ولكن أريد أن أوضح شيئاً لم أقرأه في الكتب ولا أعلم إن كان مذكوراً في الكتب.. أم لا.. وهي صفة من أهم الصفات في القائد.. ألا وهي القدرة على التنقل بين «الماكرو Macro scale» و «المايكرو Micro scale» وبشكل آني وتفصيلي.. إذ إن المعتاد أن رأس الهرم لا يهتم بالتفاصيل إنما بالأمور الكبرى ويهتم بتفاصيل الإداريين التنفيذيين على مختلف المستويات.. وحصيلة هذا الأمر أن يقوم رأس الهرم (ومن حوله) بالتنظير (وأحياناً تكون نظريات وأفكارا رائعة) ولكن هل هي قابلة للتطبيق؟ هل الموظفون لديهم الاستعداد للاستيعاب والتنفيذ؟ هل البيئة مناسبة؟ هل الأفكار واقعية؟ وهنا دائماً يحدث الفشل.. وسبب الفشل هو حلقات ضائعة ما بين المستويات الإدارية المختلفة.. لذا القائد الناجح هو من يرسم الرؤية ولديه القدرة على التعامل مع أدق التفاصيل لتنفيذ هذه الرؤية إن استلزم الأمر.. وتكون لديه القدرة على مناقشة أمور كبرى على مستوى الرؤية والأهداف وفي خلال دقائق يمكنه مناقشة بعض الأمور والتحديات المتعلقة بأمور تنفيذية وعلى أقل مستوى في السلم الإداري.. وبالطبع لا أعني أن ينشغل القائد بالتفاصيل.. إنما تكون لديه القدرة في قيادة فريق العمل للتعامل مع المعطيات صغيرها وكبيرها.. وهذا يعني ضرورة نزوله أحياناً إلى الميدان والنقاش في أمور ومشكلات بسيطة.. مع الوقت ممكن أن تتحول إلى مشكلات كبيرة إن لم يتم حلها واستيعابها في الوقت المناسب.. ولنا في هذه أجمل قدوة.. سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ونزوله مع العسس بشكل دوري وقصته مع الأرملة.. وهذا أروع مثال لنزول القائد لمستوى «المايكرو».. وهذا يؤكد أن دور القائد والمسؤول في الأول والآخر هو خدمة الشعب والمواطنين.. وحتى لو تطلب ذلك حل بعض مشكلاتهم بنفسه..
وعوداً على موضوع التعليم، فإن إصلاح التعليم لا يكون فقط بالعمل على استراتيجيات متعددة وبشكل منفصل.. ولا يكون بالاهتمام بالمشكلات والتفاصيل والغرق فيها.. إنما يكون الحل بالنظر للرؤية التعليمية ككل.. وأجزم بأنه لا يوجد من يحسد وزير التعليم على منصبه لأن الواقع يقول بأن ملف التعليم هو من أصعب الملفات.. وأصبح يعاني من تراكمات وترهلات على جميع المستويات.. فهل يمكن للعطار أن يصلح ما أفسد الدهر؟ وهل نتوقع أن ينصلح حال التعليم في فترة وزارية من 4 سنوات أو حتى 8؟ أقول للمتفائلين كونوا واقعيين.. وأقول للمتشائمين.. نعم يمكن ذلك بحول الله.. ولكن أتوقع أنه ربما نحتاج إلى ما يقارب العشرين عاماً لذلك.. ولكن الأكيد هو أنه يجب البدء من اليوم..
ولحل المشكلة بدايةً، يجب أن نعرف ما هي المشكلة.. وسأحاول أن أتحدث باختصار.. مشكلة وزارة التعليم أنها ست وزارات أو أكثر في وزارة واحدة.. فبالإضافة إلى وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي هي عبارة عن وزارة خدمة مدنية بحد ذاتها إذا علمنا وحسب ما نقله لي شخص معني بأن عدد الموظفين في وزارة التعليم يزيد عن 65 % من عدد الموظفين الحكوميين ككل..! وهي وزارة خدمة اجتماعية إذا ما نظرنا لأحد أكبر المعضلات فيها ألا وهو نقل المعلمين والمعلمات الوظيفي بين المدن والقرى الذي أصبح هاجسا لكل وزير تعليم.. وهي وزارة نقل إذا ما رأينا أعداد الطلبة الذين يحتاجون إلى النقل المدرسي بالحافلات كل يوم.. وهي وزارة أشغال عامة إذا ما نظرنا لعدد مباني المدارس على مستوى المملكة والمباني الإدارية التعليمية…التي تحتاج إلى تصميم وتنفيذ وصيانة وتشغيل!
هذا فيما يخص الشق الوزاري والإداري.. أما مشكلة التعليم كتعليم فهي مرتبطة بالأركان الأربعة.. الطالب.. المعلم..البيئة التعليمية.. والمنهج.. والعمل على كل ركن بمفرده لا يفيد.. إذ إنها منظومة كاملة ومتكاملة ويجب أن تعالج كمنظومة واحدة.. وهذا بالطبع وفق رؤية الوزارة.. التي لن تستطيع حل هذه المشكلات إلا برؤية استثنائية وأفكار جريئة وغير تقليدية.. ولكن من أين البداية؟ لذلك يجب أن نرجع إلى البداية.. والسؤال المهم.. لماذا نتعلم؟ (المقال المقبل: لماذا نتعلم؟)

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٥) صفحة (٨) بتاريخ (٢١-٠١-٢٠١٧)