أحمد الفهيد

ترددت كثيراً قبل الخوض في كتابة هذا الموضوع الذي نعيشه بمرارة هذه الأيام بكل الطبقات والمستويات ولست أعلم أُحكِّم عقلي أم قلبي؟ وعندما أريد تحكيم العقل ينتصر القلب؛ تعرفون لماذا؟؟ لأن القلب يستند في أحكامه إلى عوامل كثيرة أهمها أنه المكان الوحيد للحب والوفاء والكره ولأن القضية هي قضية حب ووفاء وكره.. ولأنه المتحكم في سائر أعضاء الجسد خاصة عندما نحكمه في حل إشكالات الحياة لمن هم أقرب الناس إلينا ومن تربطهم بنا صلة بقرابة أو غيرها.
إلا أنني وجدته حزيناً متألماً باكياً يشكو مرارة أهل هذه الدنيا متألماً مما آلت إليه أحوالهم وأوضاعهم وما تعلَّموه من أساليب عنوانها القسوة والإفراط في سوء الظن واختلاف المبادئ وتقديم المصالح والأنانية وهذا بالطبع ليس عند العامة فقط بل حتى عند العقلاء والمفكرين، فأصبح قطع الرحم التي أمر الله بوصلها سهلاً مباحاً والحث على انتشار ظواهر الفرقة والفتنة أصبح أمراً مطلوباً، وتصديق الأكاذيب وحياكتها ومغالطة الحقائق وقلب الموازين وقتل الوالدين والإخوة ومن تربطنا بهم صلة قرابة صار أمراً محبباً مشروعاً.. ليصبح المظلوم ظالماً والظالم مظلوماً دون النظر إلى شريعة خالق الكون وتدبر آياته وتفسيرها وفهمها كما يريد الله، حتى تفاقمت الأمور وأصبح ذلك كله من الأمور المسلَّم بها بين الأهل والأقارب، بل حتى بين الشعوب والأمم مما حوّل الأقارب إلى «عقارب» تنفث سمومها، والسؤال الذي يحيِّرني دائماً: أين ذهبت عاداتنا وتقاليدنا الإسلامية؟ وأين ذهبت نصوصها؟ وأين دفنَّا ذكريات وتضحيات ومواقف تحمل في طياتها أسمى معاني الحب والوفاء والإخلاص والتلاحم؟ وأين ذهبت تلك الروابط والقيم التي أصبحت اليوم مثل قشة تعوم على سطح البحر تلاطمها الأمواج تأخذها إلى عالم النسيان والضياع ولا الاتزان؟ وأين تلك الروابط التي كانت تجمعنا في المحن والشدائد؟ ومتى نقف لنعيد ترتيب بيتنا وننفض الغبار عن ماضينا المشرق ونصلح سلوكات أنفسنا؟ نعم هذا ما علمنا إياه آباؤنا وأمهاتنا فهل نعود يوماً لتلك القيم؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٥) صفحة (٨) بتاريخ (٢١-٠١-٢٠١٧)