نجوان ناجي البيومي

نجوان ناجي البيومي

غالباً ما تبهرنا البدايات ويسحرنا شغف المغامرة، ولكن ليست كل النهايات مُرضية وسعيدة كما نرسمها ونريدها.
عندما بدأت البحث عن طبيعة مرض الإدمان وأسبابه وأعراضه وطرق علاجه وجدت أنه اكتسح جميع الطبقات والمجتمعات والأعمار والأجناس والديانات.. أصابني الذهول.. وفي الحقيقة إن شغفي زاد في البحث!
تعمقت أكثر لأعرف ماهيته.. وسألت نفسي: هل يريد الشخص أن يكون مدمناً؟ أو هل يسعى إلى أن يكون كذلك؟!
وكنت متأكدة من الإجابة بأنها: لا مستحيل، فاختلطت مشاعري بصراع محتدم ما بين فكرتين هل المدمن مذنب أم مريض؟ وانهالت عليَّ الأسئلة من كل جانب؟
هل يحتاج المساعدة أم العقاب؟ وهل هذا نتيجة سوء الخلق أم بفعل جينات وراثية؟ وهل الشخص هو السبب أم أسرته؟
وكثير من الأسئلة داهمت عقلي. وفي لحظة أدركت أنه بالفعل لا يوجد شخص دخل هذه التجربة عن قصد، ولكنها دائماً تأتي «بالصدفة» كما اكتشفت من خلال رحلتي في البحث أن معظم الأفراد الذين يعشقون المغامرات يقعون تحت وطأة هذا المرض الشنيع.. حيث تسيطر عليهم الفكرة في أول مرة، حيث يجرب المخدر من باب حب الاستطلاع وخوض المغامرة، ولا يتوقع أبداً نهايته المأساوية، ويرى أنها حدود مغامرة مع سبق الإصرار، وتكون المخدرات الساحرة الشريرة التي تتزين لتفتن الكل وتوقعهم فيهم ومن هنا تبدأ في بث السموم، تجربها فتأخذك ببريقها، فتطاردها وتصادقها وتحبها ثم تعشقها حد الذوبان والعادة والممارسة التي لا تقطع، حيث تتحكم في يومك، عملك، دراستك، عقلك، مشاعرك، طاقتك وحتى شهوتك، فتصبح مالكة كل هذه التصرفات.
هي أشبه بأفعى خطرة تداعبك حتى تستحوذ عليك لتبتلعك على غفلة، وكل هذا بالصدفة؟ لأنك قررت أن تجرب مرة ولكنها تجربة العمر وألعوبته وغوايته.
إنها المخدرات تضحك عليك وتعطيك مشاعر عديدة ولكنها مزيفة وقتية زائلة تمتلئ سوءاً وغدراً، فلا تنصاع أبداً وتجربها، فكل الذين أوقعتهم فيها لم يقرروا الوقوع ولكن أبهرهم بريقها الكاذب وإحساسها الخداع، فهي تذوب في ذاتك حتى تفقدك عقلك وفكرك ونفسك وتصرفاتك.
وأحب أن أقول إنه في قانون المخدرات: أن «جرعة واحدة لا تكفي، وكثير منها لا يشبع»، وفي النهاية إذا انجرفت في بحر المخدرات لا تترك نفسك تضيع فإن «لنفسك عليك حقاً»، فاطلب المساعدة ولا تخشَ شيئاً، في الأخير أنت أصبحت مريضاً بها وليست لديك الإرادة لمواجهتها وحدك، فالخزي الحقيقي هو أن تنكر مرضك، لكن الاعتراف بالضعف قوة وطريق ودافع ومنطلق لحياة جديدة تبدأ بالتعافي من هذه السموم وتنظيف الجسد منها لتكون إنساناً صحيحاً سوياً متعافياً بلا سوءات المخدرات وما فيها من سلبيات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٦) صفحة (٨) بتاريخ (٢٢-٠١-٢٠١٧)