ليلى الزاهر

كان اللقاء الأول لهما في الطائرة، جمعتهما الأقدار وجرت أحداث جميلة بعد لقائهما هذا، وكأن القدر رتّب لتلك الأحداث كي تقتربا من بعضهما أكثر.
سماء وغدير طالبتان مبتعثتان تدرسان في الولايات المتحدة الأمريكية. تسكنان سَوِيّاً جمعتهما الغربة وقدح القهوة الصباحي.
وأجبرتهما ظروف السكن الاشتراك في غرفة واحدة، فبدا الاختلاف جليّاً في الأسلوب المعيشي.
تقول سماء:
ما أن خطت قدماي طريق غدير إلا رأيتُ مطاعم الوجبات السريعة أشباحاً تتراقص أمامي، لقد بدأتُ أطهو طعامي بأقل تكلفة في السعرات الحرارية، واستخدمتُ الملعقة كمكيال في الملح والفلفل والزيت وفِي كل شيء، لقد بدوتُ أنحفَ مما كنتُ سابقاً؛ فالنمط الغذائي اختلف لديّ للأحسن بفضل تعليمات غدير الصحية.
كنتُ أشعر برغبة مُلحّة في تقليد غدير وقد حذوت حذوها دون خجل ولم أشعر بالغيرة منها لأنها أفضل مني، وإنما كنت أنظر لها بصمت تعلوه الدهشة عندما تغلق هاتفها النّقال عند الثامنة والنصف وتتجه صوب صومعتها القرآنية المعتادة. تحاول ختم القرآن كل شهر وكأن حياتها مؤسسة رسمية تبدو بأقل توصيف غاية في النزاهة والاستقامة، لقد أطّرت القيم الإنسانية النبيلة بإطار زخرفته بأجمل نقوش وأبهى حلّة في ارتدائها الحجاب ومحافظتها على العادات والتقاليد العربية الأصيلة في وسط جو أحيط بمغريات لا حصر لها.
بادرتها مرة بالسؤال:
وأنتِ تُسيِّرين حياتك وفق آليات معينة وتسلكين دروب النجاح دون تجاوز لأي خطوط حمراء ألا تشعرين بحنين لحضن أمك وأسرتك؟ أجابتني وكأن الزمان بدأ يقف عند هذه اللحظة قائلة: وهل يحلُو للطائر أن يغرد إلا في سربه؟ وهل لي أن أشعر بالدفء والأمان إلا تحت جناح أمي؟!
وما أيام غربتنا هذه إلا رياح عاتية اجتثت جذور الراحة من قلبي وصيرته أدغالاً موحشة دون عائلتي، فهبني يا رب يقيناً صادقاً تباشر به قلباً أضناه الألم جراء غربة الأوطان.
أما فلسفة الإخفاق أو الفشل فكانت عند غدير تبعث على النجاح المضاعف فإذا كانت محصّلتنا منخفضة في أحد الاختبارات فإنها تثابر حتى تصل لإرضاء ذاتها، وتتصالح مع طموحها، تبهرني عندما تحاول بذكاء أن تشرح لي كيف نفهم طرق النجاح جيداً وكانت حكمتها مصدراً لقوتها، ونظرتها الثاقبة كانت محرّكاً يقودها نحو المسارات الصحيحة لحياة علمية ناجحة، كنتُ أستمع بشغف إلى ملاحظاتها ولا أعزف أبداً عن أي نصح وتوجيه تقدمه لي، لا غنى لي عن مشورتها لأضيف إضاءات حنكتها لعقلي.
من رسائل غدير الإيجابية تلك السيمفونية الرائعة التي تطربني بين الحين والآخر في فلسفتها عن الماضي؛ إذ كانت تردد دائماً:
إن الأحداث المؤلمة الماضية في حياتنا مثل ماء انسكب على الأرض لا يمكن استرجاعه، لذلك لا يجب علينا أن نصرف شيئاً من الأحزان في البكاء عليها، إنها مثل كأس دعسته مركبةٌ لا نرجو الفائدة منه بل نجتهد للحصول على بدائل له.
فإذا صادف وخدمك الحظ وجاءتك الفرصة في الحصول على رفيق مخلص فازرع محبتك بداخله وتعهد بذور المحبة بالرعاية والعناية لتحصد ثماراً يانعة، حتى وإن طلب منك رفيقك أن تدع جوالك خارج الغرفة كما كانت تفعل غدير في قوانينها مع زميلتها «دعْ جوالك خارج الغرفة ثم اخلد للنوم».
ما أجمل قول الشاعر أبي فراس الحمداني حين يُمازج أرواح الأصدقاء ويُقاربهم ببعضهم قائلاً:
‏وإني وإياه كعين وأختها وإني وإياه ككفٍّ ومعصم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٦) صفحة (٨) بتاريخ (٢٢-٠١-٢٠١٧)