من الظواهر التي لم تعد غريبة في مجتمعنا ظاهرة اللجوء للمعارف والشفاعات في أبسط أمور الحياة خاصة الأشياء الخدمية والتوظيف، سواء كان ذلك لحاجة أو لغير حاجة، بل أصبح هناك ارتباط ذهني لدى كثيرين بأن الأعمال لن تُنجز إلاّ بهذه الطريقة حتى لو كانت الأنظمة واللوائح واضحة وشفافة، فلدى بعضهم «عدم ثقة» في أي إجراء حتى لو كان طلباً عاديّاً وبسيطاً ويمثل حقّاً من حقوقه أو خدمة لابد أن تقدم للجميع بالتساوي والعدل، لن نتطرق للواسطة التي فيها استلاب حق والتعدي على القوانين ولا التي فيها تجاوز للأنظمة والإجراءات النظامية؛ فهذه بلا شك قد تصل للجريمة التي لا يرضى بها عاقل، ولكن الأمر تعدى إلى استثمار كل علاقة في أي جهة سواء حكومية أو غير حكومية أو حتى في القطاع الخيري مع الأسف.
في إحدى الجامعات العريقة تم الإعلان عن وظيفة معيد، وظيفة واحدة فقط؛ وبعد فرز المتقدمين مِمَّن انطبقت عليهم الشروط واستحقوا دخول الاختبار التحريري والمقابلة الشخصية فكان عددهم أكثر من 250 شخصاً مؤهلاً ومكتمل الأوراق، وجميع هؤلاء يعلمون بأنّ الوظيفة هي لشخص واحد فقط؛ ولكنهم متعلقون بالأمل الكبير الذي يجعل للحياة بقية رمق، كان صاحبي من ضمن لجنة التوظيف؛ فقلت له مداعباً يبدو أنّ الوظيفة محددة سلفاً لشخص بعينه، فقال خُبرك قديم؛ هؤلاء المتقدمون والمؤهلون منهم أكثر من 20 شخصاً كل واحد أحضر شفاعة تهد الجبال الرواسي من شخصيات ذات صفة اعتبارية ممن لا يُرفض لها طلب! فالصراع الآن بين أهل «الواسطات» بعد تعادل الجميع في التأهيل والقدرة، فيمن سيكون الأقوى؟! واستطرد صاحبي في القول؛ بأن الذي عليهم هو أن يتم رفع كل الطلبات للمؤهلين لمن هو أعلى سلطة من لجنتهم وهو بدوره سيرفع للأعلى منه وهكذا حتى يتجرأ أحدهم ويختار صاحب الحظ السعيد.
بصراحة لا ألوم كثيرين ممن يبحثون عن معارف وشفاعات وواسطات؛ فالواقع يفرض هذا السلوك الذي نمقته في العلن ونمارسه في الواقع، وحول ذلك يقول الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: «الأصدقاء والمعارف هم أضمن طريقة لتحقيق الثروة».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٧) صفحة (٤) بتاريخ (٢٣-٠١-٢٠١٧)