سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

«إن جار عليك زمانك حط حرتك في أم عيالك» عجيييب! هذا المثل الشعبي المعروف الذي قد نكون مررنا عليه مرور الكرام من قبل أو سمعنا بغيره من الأمثال الشعبية الدارجة التي تسوّغ لذات السلوك المشين، تطرح حالة مرضية منتشرة على أنها حل منطقي جدّاً. المرض أو الحالة التي أعنيها هي حالة حَوَل المشاعر، فالمخَاطب في المثل أعلاه ينقل غضبه من أحوال الزمان فيصبها على زوجته البريئة التي لا ناقة لها ولا جمل. ظلم واضح جدّاً ومستنكر أليس كذلك!! مع الأسف الشديد كثيرون منا مصابون بحَوَل المشاعر هذا ويتحركون داخل دائرة الغضب المقيتة دون مراجعة مشاعرهم أو أفعالهم. فمثلاً بعد أن تفضّل الزوج آنف الذكر «الذي غضب بسبب مديره في العمل أو وضعه الوظيفي بشكل عام» وقام بصب جام غضبه على زوجته، تقوم الزوجة هي الأخرى بتحويل طاقة الغضب تلك إلى أطفالها فتزبد وترعد وتزمجر. بل ربما تحمل تلك الطاقة السالبة إلى مقر عملها فتنفث ما تبقى منها على زملائها أو طالباتها أو عملائها الذين سيستقبلون تلك الطاقة الداكنة وسيحملونها بدورهم ويصبونها بكل ما أوتوا من حَوَل على ضحايا جدد وهكذا.
إن الغضب من أهم المشاعر الإنسانية وأقواها ولا يمكن تجنبه وليس علينا أن ننظر له نظرة سيئة بالضرورة، فهو في أصله طاقة وكما باقي الطاقات يمكنك أن تحسن استخدامها أو تسيء استخدامها. فطاقة الغضب مثلاً هي وقود كثير من الأعمال الفنية الإبداعية وقد خلقت كثيراً من الأعمال الجميلة والمؤثرة رسماً وشعراً وموسيقى، وما ذلك إلا مثال رائع واحد لتوظيف طاقة الغضب بشكل خلاق ومنتج، لكنه ليس الطريقة الإيجابية الوحيدة. فلولا الغضب مثلاً لما استعيدت الحقوق المسلوبة ولما دفع الظلم ولا أسقط الظالم. فالغضب أساساً جرس إنذار ومؤشر يدل على أن هناك ما يجب تغييره، إلا أن المصاب بالحول لا يدرك أنه جرس إنذار فيكتفي بنقل صوته المزعج لمتلقٍّ جديد، بينما يبقى في البيئة المسببة دون أن يعالجها فيستمر في تلقي المزيد والمزيد من جرعات الغضب!
أعزائي لن أطلب منكم الآن أن تأخذوا نفساً عميقاً أو تعدوا عكسيّاً من عشرة، ولن أعطيكم أي أفكار لتبديد الغضب بل على العكس أحكموا قبضتكم على غضبكم هذا وضعوه تحت العدسة المكبرة كي تروا بكل وضوح تضاريسه ومعالمه فتشخصوا أسبابه وتتعرفوا على من سبَّبه، بعد ذلك لا تجعلوه طاقة هدم بل طاقة بناء ولا تنفقوه حَولاً على غير مستحقه. فمثلاً بعد أن يطيل أخونا المذكور أعلاه النظر إلى غضبه ويتضح له أن الطريقة التي يعامله بها مديره غير مقبولة بالنسبة له أو أن هذه الوظيفة بكل ما فيها لا تناسبه، فيقوم «بدل الصراخ على زوجته» برفع شكوى على مديره عند شؤون الموظفين أو حتى يتحدث له بشكل مباشر فيبلغه أن هذه الطريقة التعسفية مرفوضة بالنسبة له. أو لعله يترك تلك الوظيفة ويبحث عن غيرها بل ربما يستغل تلك الطاقة الجبارة فيبدأ مشروعه الخاص كي يتحرر من قيد تلك الوظيفة ويعالج سبب غضبه نهائيّاً. بالطبع لكل غضب حيثياته والحلول المناسبة له بعضها حلول جادة جذرية وأحياناً توجد حلول سهلة أو حتى فكاهية مرحة، المهم أن يتم التشخيص والدراسة ثم توجيه الطاقة في الاتجاه الصحيح.
في الختام دعونا نعود لقناعاتنا وسلوكاتنا فنراجعها ونصحح الخاطئ منها ولنغير حتى المثل أعلاه إلى «إن جار عليك زمانك استعن بالله وراجع حساباتك».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٩) صفحة (٨) بتاريخ (٢٥-٠١-٢٠١٧)