د. أرسلان عابد - جامعة الملك سعود

د. أرسلان عابد – جامعة الملك سعود

سؤال مهم.. لماذا ندرس ونتعلَّم؟ لماذا ندرس ستة أعوام في الابتدائية وثلاثة في المتوسطة وثلاثة في الثانوية.. وبعدها أربعة أو خمسة أعوام في مؤسسات التعليم العالي.. وقبل هذا كله ندرس عامين أو ثلاثة في الحضانة والتمهيدي؟
الجواب هو ليتمكن كل منا من الانخراط في مجال معيَّن في ميدان العمل لتحقيق أهدافه الشخصية والمستقبلية التي تصب في الآخر في بناء الوطن.. وبالطبع هذا يعني أيضاً إيجاد مصدر دخل لإعالة أنفسنا وعائلاتنا التي ستكبر في المستقبل.. وذلك بإيجاد الوظيفة الأمثل أو ببدء عمل خاص (أو ما يعرف بريادة الأعمال).. مما يعني أن نهاية أعوام الدراسة هو ميدان العمل.. إذن الأحرى هو أن نبدأ من هذا الميدان ونرجع بالأعوام إلى الوراء للتأكد من أن أعوام الدراسة تصب في هذا الاتجاه.. وهذا يؤكد ما ذكرته سابقاً بوجوب التنسيق بين الوزارات المعنية في كل ما من شأنه مصلحة الوطن.. فلا يمكن أن نلوم وزارة العمل كلياً على البطالة دون أن نلوم مؤسسات التعليم العالي والتدريب المهني، إذ إن هذه البطالة هي مخرجاتها.. ولا يمكن أن نلوم مؤسسات التعليم العالي على هذه المخرجات دون أن نلوم التعليم العام ومخرجاته.. وربما بالتالي نلوم البيت إذ هو المصدر الأساس لمدخلات الحضانة والتعليم العام..!! وماذا كان دور وزارة التخطيط في الماضي في هذه المسألة؟ وهل كانت هناك رؤية واضحة لمستقبل ميدان العمل في الوطن في الماضي؟ (أشارت بعض الإحصاءات بالرجوع إلى القطاع الخاص بأن ما يقارب الـ 60% من الخريجين في مؤسسات التعليم العالي لا تتناسب مؤهلاتهم مع سوق العمل الفعلي) وهذا لو افترضنا أن ميدان العمل لدينا متكامل وشامل في الأساس…فهل لدينا ميدان عمل يحقق الطموحات وبالاعتماد على المقدرات؟ وهذا بالطبع ما يعمل عليه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وبالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط ومختلف الوزارات الأخرى للمستقبل..
عوداً إلى ميدان العمل الذي هو أساس استيعاب أفراد هذا الوطن ومستقبلهم العملي…ماذا يحتاج هذا الميدان من الخريج؟ ما هي المؤهلات والصفات المطلوبة؟ وكيف نتأكد من أن هذه الصفات موجودة في خريجي مؤسسات التعليم العالي للانخراط بفاعلية وسلاسة في سوق العمل؟ وهل كل أنواع العمل تخصصية بحتة؟ أم إن هناك أنواعاً من العمل متجددة ومتطورة ولا تعتمد بشكل كلي على المعرفة العلمية بالتخصص التي تشرّبها الخريج في مؤسسات التعليم العالي.. إنما تعتمد على وجود الأساسيات وبالتالي يكون النجاح فيها أيضاً معتمداً على عقلية الخريج ومدى تقبله للتعلم، بالإضافة إلى مهاراته… فبينما يحتاج ميدان العمل إلى التخصصية العلمية.. مثل الطب والهندسة والإدارة وغيرها.. فهو يحتاج أيضاً إلى مهارات شخصية مختلفة.. وهذه كانت من أهداف إنشاء السنوات التحضيرية في الجامعات، إذ إن السنة التحضيرية كان الهدف من ورائها هو التحضير للمرحلة الجامعية ومن بعدها سوق العمل وذلك بتسليح الطلبة بمهارات أساسية مختلفة يحتاجها سوق العمل مثل اللغة الإنجليزية ومهارات الحاسب ومهارات التواصل وغيرها.. ولكن هل يمكن أن ترسخ السنة التحضيرية كل هذه المهارات في عام واحد؟ وهل هذه المهارات هي فقط ما يحتاجه سوق العمل؟ وهل هي مستمرة إلى التخرج ولم تذبل إن كانت قد اكتسبت في الأصل؟ وهذا أيضاً موضوع متشعب وليس بموضوعنا الآن.. ولكن بالفعل ميدان العمل يحتاج إلى مهارات شخصية متنوعة وهي الأساس في النجاح بالإضافة إلى المعرفة العلمية في التخصص.
ولا أبالغ حين اقول إن المهارات الشخصية تكون أحياناً أهم من التخصص العلمي نفسه في واقعنا الحالي.. فكثير من الخريجين يوظف أساساً بناءً على مهاراته الشخصية وقدرته على استيعاب طبيعة العمل بسلاسة.. بالذات في القطاعات التي تعتمد على تدريبها الخاص بها.. إذ جل ما يهمهم وقتها شخصية المتقدم وقدراته الشخصية والمهاراتية.. والمهارات الشخصية متنوعة وتم إفراد الكتب فيها.. من مهارات التواصل والعرض.. إلى مهارات التفكير والبحث والتحليل.. إلى المهارات الإدارية والقيادية.. إلى مهارات التعامل مع المشكلات والعمل ضمن فريق عمل.. وغيرها كثير من المهارات التي يمكن تنميتها وصقلها وتطويرها بالتدريب المناسب.. ولكن أين يمكن تنمية هذه المهارات ومتى وكيف؟ هل يجب تدريسها بشكل نظري كمحاضرات في الجامعة؟ أم كمقررات في المدرسة؟ أم نترك تلك المهمة لتجار الشنطة من المعاهد التدريبية التي تؤكد أن لديها الوصفة السحرية للنجاح عبر حقائبهم التدريبية المختلفة؟ أم إن الحل هو بترسيخها في الطلبة عبر الممارسة وذلك بالتركيز في الأنشطة اللاصفية.. ومعرفة أهميتها الحقيقية في صقل شخصيات أبنائنا وبناتنا.. وذلك بالتركيز عليها في التعليم العام والعالي.. (وهذا ما تعمل عليه الآن وزارة التعليم ضمن مبادراتها في التعليم العام فيما يخص الأنشطة اللاصفية).
وماذا عن المواهب الفطرية؟ كيف نكتشفها في أبنائنا وبناتنا؟ ومتى؟ وكيف نرعاها ونحافظ عليها؟ إذ إن أنجح الشخصيات في ميدان العمل هم من اعتمدوا على موهبة تحولت إلى إبداع والسبب هو الشغف والمثابرة.. وهذا الجانب بدأت «موهبة» بالعمل عليه.. ولكن هل هناك خطة لمتابعة هؤلاء المبدعين إلى أن يصلوا سوق العمل؟ هل هناك خطة بحثية تطبيقية طويلة المدى لقياس نتائج هذه المبادرات وذلك بربطها بنجاح هؤلاء المتميزين من أبنائنا منذ لحظة اكتشافهم مروراً برعايتهم وأثناء دراستهم العليا ووصولاً إلى ميدان العمل وهو المحك الحقيقي لحياتهم العملية والمستقبلية.
إذاً كخلاصة.. يحتاج ميدان العمل إلى المعرفة.. والمهارة والإبداع.. ولكن.. هل هذا ما يحتاجه ميدان العمل فقط؟ (المقال المقبل: تربية…وتعليم..)

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٨٢) صفحة (٨) بتاريخ (٢٨-٠١-٢٠١٧)