عبدالله الوصالي

عبدالله الوصالي

فيما عدا تصريحاته لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، بما يعنيه ذلك من استفزاز الرابط الديني والعاطفي لدى الشعوب العربية بقضيتهم الأزلية قضية فلسطين، لا أرى مبرراً قويّاً آخر لأن تكره المجتمعات العربية بذهنيتها الراهنة التي تعيش في بلدانها الأصلية تحديداً، الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب. فقراءة بسيطة في سياساته الاجتماعية نرى مدى التماثل، إن لم يكن التطابق، بينه وبين قيم تلك المجتمعات العربية المحافظة.
فالرئيس ترامب يتبنى سياسة مناهضة تجاه السماح المطلق بعمليات الإجهاض للنساء الحوامل، وقد خطا خطوة مهمة في هذا الاتجاه مباشرة في اليوم التالي لوجوده في البيت الأبيض بتوقيعه أمراً تنفيذيّاً بمنع المساعدات الأمريكية لأي منظمة خارجية تمارس الإجهاض أو تدعم في بحوثها التسهيل لتلك العملية. وهذا أمر لا شك أنه من المحرمات القصوى في المجتمعات المحافظة كمجتمعاتنا، لا يفوقها حرمة سوى الإقرار والاعتراف بالمثلية الجنسية التي أعلن ترامب في توافق آخر مع المجتمعات العربية رفضه لها من خلال رفضه إضفاء الشرعية القانونية لزواج المثليين في المحاكم.
ويغلب على المظاهرات المليونية المناوئة للرئيس ترامب، التي شهدتها وتشهدها المدن الأمريكية الكبرى منذ يوم تنصيبه رئيساً، اللون الوردي في اللباس والشعارات وهو شعار الحركة النسوية، الحركة التي تطالب بالحرية المطلقة للمرأة والمساواة التامة بين الجنسين، الموضوع الذي لا يزال السواد الأعظم في مجتمعاتنا العربية يرفضه، أو حتى أن يكون لديه الجرأة لمناقشته إلا على نطاق النخب الضيق.
ولطالما جأر العرب والمسلمون بالشكوى من إرهاب الجماعات المتطرفة. وبنظرة جغرافية بسيطة سنرى صدقاً أن البلاد العربية جميعها تقريباً تعاني الأمرَّين من إرهاب «الإسلام الراديكالي» الذي يعتبرونه مختَطِفاً ومشوِّهاً لصورة الإسلام الحقيقي السمح، ذلك التطرف الذي تعنيه المجتمعات العربية هو الذي واصل الرئيس ترامب الوعد باستئصال شأفته من على وجه الأرض، حتى من على منصة التتويج الرئاسية.
أخيراً فإني لا أعتقد أن الشعوب العربية البائسة تملك من رفاهية التفكير الحضاري ما يجعل من قضية تقويض الاتفاق العالمي بشأن التغير المناخي التي هدد الرئيس الأمريكي بإعادة التفاوض عليها، عنصراً في أجندتها وهي التي تفتقر إلى الوعي الحضاري بهذا الشأن، كما تفتقر إلى كثير من أساسيات حياتها التشريعية والمادية.
لا شك أن نقل السفارة كما ذكرنا آنفاً رغم كل هذا التقارب القيمي بين الرئيس والشعوب العربية، سبب كافٍ لموقف البغضاء الذي تكنه له. أو أن الأمر لا يعدو عادة التمرس على الكراهية المطلقة لكل ما هو غربي أو آت من خارج «خير الأمم»؟ لكن ربما أن الأسباب الظاهرة تخفي خلفها أسباباً خافية مثل عزم ترامب إيقاف استقبال المهاجرين من الدول الإسلامية.
فقد يكون وقر في وعي الشعوب العربية، أو لا وعيها، مسألة الهجرة من حيث تعيش في بؤسها إلى مكان ما تتوفر فيه أي قدر من الكرامة الإنسانية، فأغضبها أن يكون في أجندة سيد البيت الأبيض الجديد منع استقبالها في أمريكا!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٨٤) صفحة (٨) بتاريخ (٣٠-٠١-٢٠١٧)