د. أرسلان عابد - جامعة الملك سعود

د. أرسلان عابد – جامعة الملك سعود

أتتني بعض الصور على قروب «الواتسآب» الخاص بفصل ابني وزملائه في المرحلة الابتدائية وهم في نشاط لا صفي في إفطار جماعي بخيمة تحاكي الزمن الجميل.. المهم في الصور هو ما يمكن رؤيته فوراً، ألا وهو سعادتهم بهذا التجمع خارج الفصل.. ولكن الأهم في هذه الصور هو البراءة التي يمكن قراءتها في أعين الطلاب والاحترام لمعلمهم وإنصاتهم له والتجمع حوله.. ومباشرةً تبادر إلى ذهني.. أنه ما أجمل أن يستمر هذا الاهتمام والإنصات من قبل أبنائنا لمعلميهم في جميع المراحل… وليس هناك أجمل من أن تستمر هذه البراءة في أبنائنا وتتحول إلى شخصيات سوية ذات أخلاقيات عالية مع مرور السنين.. وجاءت في بالي المقولة «العود من أول ركزة».. بالفعل العود من أول ركزة.. ولهذا يجب غرسه عموداً مستقيماً.. والمحافظة على استقامته مع مرور السنين ضد رياح الزمن.. وغرس العود هو مسؤولية الوالدين.. على أن تستكمل المدرسة ما بدأه الوالدان وتحافظ عليه.. وهذا الغرس ستنعكس آثاره على ميدان العمل والحياة المستقبلية.. ويجب علينا كأولياء أمور أن نعي أن الحياة العملية لأبنائنا تبدأ من مرحلة الطفولة.. وتعتمد بشكل كبير على الغرس الأول.. ولهذا دائماً أنصح بأن نقسو على أبنائنا قليلاً الآن.. لكي لا يقسو عليهم الزمن كثيراً في المستقبل.
وبمناسبة الحديث عن المستقبل، سبق أن ذكرت في المقالة السابقة أن ميدان العمل يحتاج إلى المعرفة وإلى المهارة والإبداع.. وكان السؤال المهم هو هل هذا فقط ما يحتاجه هذا الميدان؟ أجزم أن هناك أمراً ثالثاً لا يقل أهمية.. بل هو الأهم ويأتي قبل المعرفة والمهارة.. ألا وهو الأخلاقيات.. وأقصد هنا الأخلاقيات التي يحثنا عليها ديننا القويم… فلا عمل دون أمانة.. ولا عمل دون صدق.. وخير من استأجرت القوي الأمين.
وهذا الموضوع لا جدال فيه.. ويجب أن نعمل باستمرار على ترسيخ هذه الأخلاقيات القويمة لدى أبنائنا وبناتنا.. فصلاح الوطن في صلاح أبنائه.. وحينما نتحدث عن الأخلاقيات فذلك يعني جميع الصفات الحميدة التي حثنا عليها ديننا القويم ونبينا ومعلمنا عليه أفضل الصلاة والتسليم.. بدءاً بالانضباط والالتزام بالمواعيد.. إلى التواضع واحترام الغير.. إلى الصدق والأمانة.. وعمل الخير والتفكير بالغير.. وغيرها كثير.. فأحياناً تزعجنا بعض الممارسات غير السوية التي نراها ونسمع عنها من قبل بعض أبنائنا.. ونحمد الله أن هذه الممارسات تصدر من القلة.. وندعو الله لهم بالهداية.. ولكن يجب أن ننتبه لها ونعالجها فوراً؛ لأننا نريد الأصلح لفلذات أكبادنا.. والأفضل من المعالجة هي الوقاية.. ودائماً ما تكون حلول الوقاية في البدايات.
لهذا أنا من المناصرين لمفهوم التربية.. والتعليم.. فالتربية هي أساس كل تعليم.. والتربية تبدأ من المنزل وتعزز في المدرسة.. وأنا من المناصرين أيضاً لمبدأ التربية بالقدوة.. وأبناؤنا نواة حسنة.. مثل العجينة التي يسهل تشكيلها.. وهنا تظهر أهمية التأكد من أن دور المعلمين في المراحل الأولى مكمل لدور الوالدين في البيت.. ولهذا يجب أن يكونوا بمواصفات خاصة جداً من حيث الحكمة والخبرة وسعة البال والقدرة على التعامل مع هذه الفئة العمرية لتحقيق التربية القويمة.. بغرس المفاهيم الإسلامية في الطلبة بالممارسة والتطبيق وليس بالتنظير والتلقين.. وهذه الممارسات يجب أن تكون مضمنة في المناهج ووفق خطة استراتيجية يمكن قياسها وتقييمها.. للتأكد من أن يتشرب الطلبة الأخلاقيات الحميدة.. ومنذ البداية.. فالعود من أول ركزة.
(المقال القادم: أركان التعليم الأربعة).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٨٩) صفحة (٨) بتاريخ (٠٤-٠٢-٢٠١٧)