عبدالعزيز الروضان

عبدالعزيز الروضان

إن الذي أعرفه على وجه اليقين أن لكل دولة في هذا النسق الدولي الرحب خططها الاستراتيجية، وهي خطط وطرق توضع لتحقيق أهداف معينة على المدى البعيد، تعتمد في تحقيقها على كثير من الإجراءات والوسائل والتكتيكات التي تُعد لمواجهة المستقبل وتقلباته وتغيراته سواء كانت هذه الخطط الاستراتيجية اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية أو صناعية أو تعليمية وهلم جرا.. وتهدف الخطط الاستراتيجية عادة إلى الارتقاء بمستوى الحياة في هذه الدولة أو تلك، هذا هو الهدف من وضع الخطط الاستراتيجية. وترسم مثل هذه الخطط الجهات العليا في الدول، وهذه الخطط بلا شك ولا ريب منبثقة من رغبات المواطنين.. أيها السيدات والسادة، إن كانت لهذه المقدمة السالفة الذكر مندوحة فهي لكي أدخل في صميم ما أنا بصدده تجاه العنوان الذي عنونته مقالي هذا، إني وأنا أمخر عباب هذا الموضوع الذي أتحدث فيه بالنسبة لدولنا في عالمنا العربي هو أنه عادة في الدول النامية تغفل هذه الدول أحياناً عن إعداد الخطط الاستراتيجية وتعهد بذلك إلى مسؤوليها المنفذين ومن في مستواهم، وإن كانت لهذه الدولة أو تلك خطط استراتيجية فهي أحياناً تكون قصيرة المدى لم تأخذ في الحسبان المتغيرات! إن الخطط الاستراتيجية يجب أن لا تتغير بتغير المسؤول بل تبقى ثابتة لا تتغير مع احتفاظها بشيء من المرونة. ما أريد قوله هو أنه يجب أن يدلف المسؤول إلى منصبه وعلى طاولته خطط استراتيجية يمشي عليها. إن الذي ألاحظه أنه في الدول النامية تجد المسؤول إذا أتى ليشغل مرفقاً ما فإن هذا المسؤول أو ذاك أحياناً ينقض ما بناه الذي سبقه! إن مثل هذا التصرف هو نابع من غياب الخطط الاستراتيجية أو الخطوط العريضة عند هذا المسؤول أو ذاك. ولكن لو كانت هناك خطط استراتيجية واضحة المعالم جلية الأهداف لاتفق على تحقيقها السابق واللاحق.. إنه يجب على الدول النامية أن تُوجد خططاً استراتيجية تحقق في ضوئها الأهداف والرؤى. إن غياب الخطط الاستراتيجية يجعل لدينا إرباك في تحقيق الأهداف، ناهيكم عن وجود تراكم حضاري ملموس. بل إن الأمر أنكى من ذلك بكثير! وهو أنه أحياناً في الدول النامية لا نملك خططاً استراتيجية تفضي بنا إلى سبق حضاري مادي ومعنوي. إن الخطط الاستراتيجية عندما نريد أن نضع لها تعريفاً مبسطاً فإنه يجب حينئذ أن نقول إن الخطط الاستراتيجية توضع من أجل الصالح العام الحاضر والقادم. إن الخطط الاستراتيجية يجب أن تُبنى على دراسات مستفيضة من قِبل من لهم خبرة وتجربة. ومن ثم تكون هذه الخطط التي يجب عدم تجاوزها بأي حال من الأحوال بتعاقب المسؤولين.. إنه عند رسم الخطط الاستراتيجية يجب علينا أن لا نغفل شيئاً مهماً وهو مبدأ التنبؤ الذي يُبنى على حدس يقظ ودراسات متينة حتى لا نتفاجأ عند التغير في عنصري الزمان والمكان وما في أوعيتهما من معطيات. وهناك فرق واضح بين التنبؤ والتوقع عند رسم الخطط الاستراتيجية، فالتنبؤ تسبقه دراسات مستفيضة لقضية ما، أما التوقع فلا يكاد يعدو عن خاطرِ ألم ومضى.. إن رسم الخطط الاستراتيجية يلزمه تلاقح للآراء من ذوي أصحاب الخبرة. لا عن طريق الطفرات التي لا بد أن تفوتها أشياء عند رسم الخطط الاستراتيجية. إن حجر الزاوية عند رسم الخطط الاستراتيجية هو التنبؤ الزمني الطويل الذي بواسطته لا تكون فيه التواءات، ومن ثم نرى الأفق يلوح لنا بوضوح. إن كان لمقالي هذا بيت قصيد فإني سأجليه بقولي إنه من حتميات الأمور حينما نريد خدمة المواطن ونحقق له ما يصبو إليه أن نوجد خططاً استراتيجية طويلة المدى ترى الأفق أمامها متسعاً لا يغيب منه شيء.. فباتساع هذه الخطط لا يفوتنا شيء بإذن الله. إن الخطط القصيرة المدى ربما تجعلنا لا نقع على الصواب فنباركه ولا على الخطأ فنصوبه. فالخطأ والصواب والحالة هذه في الزمن القصير يتعاركان، لا ندري أيهما على حق! ولكن لو كان الخطأ والصواب يتعاركان في فضاء رحب ومدى بعيد لعرفنا الحق من الباطل. إن السبب الذي جعل العالم الغربي يسبقنا بأرقام فلكية هو أنهم يعدون خططاً استراتيجية بعيدة المدى ولا يغفلون تصحيح مسارها كلما زلت قدمها. وإن خططهم الاستراتيجية يتعاقب على تنفيذها المسؤول تلو المسؤول.. وما المسؤول عندهم إلا أداة تنفيذ ليس إلا.. ومن هذا النهج حققوا لبلادهم قصب السبق ونالوا القدح المعلا في جميع شؤون حياتهم. ورحم الله ذلك الشاعر العربي الذي قال في أمر رأى أن اللاحق يهدم ما بنى السابق فقال:
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه **
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
ودعوني أوقع على هذا البيت بخاطر مني:
لا يلوح لناظر في حضارتنا رسم **
فكلما شيد هذا إذ بذاك يهدم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩٠) صفحة (٨) بتاريخ (٠٥-٠٢-٢٠١٧)