زودتنا وسائل التواصل الاجتماعي ببعض اللقطات التي توضح رغبة الشعب الأمريكي في المسلمين وأنه مرحب بهم من خلال التصفيق الذي لقيه أحد المسافرين المسلمين وهو قادم إلى نيويورك ومعه زوجته المتحجبة، وهذا يدل على قبولهم للتعددية وإنكار العنصرية ضد أي فئة …

تُعدُ كنيسة ترينيتي ببوسطن إحدى أهم الكنائس بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تم تشييدها عام 1872م، وأصبحت هذه الكنيسة معروفة الآن لدى أغلب المسلمين بسبب السماح لهم برفع الأذان من وسط الكنيسة وعبر مكبرات الصوت الموجودة فيها تضامناً معهم ضد قرارات الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب التي تقضي بعدم السماح لدخول كثير من المسلمين إلى أمريكا، وحسب التداعيات التي حصلت أصدرت القاضية الفدرالية «آن دونلي» قراراً يقضي بإيقاف تنفيذ أوامر ترامب بحظر دخول مواطني بعض الدول الإسلامية إلى الأراضي الأمريكية، ويُعدّ هذا القرار من أشجع القرارات التي صدرت في هذا العام الجديد لما له من بعد وعمق كبيرين في علاقات المسلمين بأمريكا، وقد صفق كثيرون لهذا القرار الجريء والقوي وتم السماح للقادمين الذين علقوا في كثير من مطارات أمريكا بالدخول وكان هناك من استقبلهم عند مداخل تلك المطارات من الشعب الأمريكي مرحباً بهم في وطنهم.
وقد زودتنا وسائل التواصل الاجتماعي ببعض اللقطات التي توضح رغبة الشعب الأمريكي في المسلمين وأنه مرحب بهم من خلال التصفيق الذي لقيه أحد المسافرين المسلمين وهو قادم إلى نيويورك ومعه زوجته المتحجبة، وهذا يدل على قبولهم للتعددية وإنكار العنصرية ضد أي فئة، وليس كما يحدث في بعض دول أوروبا، كفرنسا مثلاً التي تعزز الكراهية ضد الآخرين من خلال رفض الحجاب والنقاب في شوارعها، كذلك اصطفاف عشرات من المسلمين العالقين في بعض مطارات أمريكا لتأدية الصلاة بوسط المطارات أمام أنظار رجال الأمن والمغادرين والقادمين وهذا بحد ذاته نوع من الحريات الدينية التي يتعامل بها الشعب الأمريكي مع الآخرين، ويذكر لي أحد الزملاء هناك أن جامعته أرسلت رسالة للطلاب المسلمين تقول لهم: أنتم جزء منا، نحن وأنتم ننتمي إلى مجتمع إنساني واحد، وسوف يحدد يوم لندوة تحضرون إليها وتقولون ما تشاءون، فعلاً هذه رسالة لأغلب مجتمعات العالم خاصة المتشددين منهم في عدم قبول الآخر والتعايش معه.
رفع الأذان في حد ذاته بوسط كنيسة في بوسطن وأمام أنظار عشرات الآلاف من الأمريكيين ليس بالأمر السهل أبداً، فهذا إن دل إنما يدل على تفهم أغلب الشعب الأمريكي لقضية التعايش مع أصحاب الأديان الأخرى وأنه مصدر قوة لهم لا مصدر ضعف، لأن التعددية والتنوع تخلق جوا من التنافس والإبداع وهذا ما جعل أمريكا هي أول دولة في العالم من خلال انصهار المجتمع الأمريكي بتنوع جنسياته وأعراقه في مجتمع واحد لا يهمه سوى أمريكا، وما حصل من مظاهرات مضادة لقرارات الرئيس ترامب إلا دلالة قوية على تأثير الشارع الأمريكي وقدرته على تغيير المسار متى ما أراد.
والتعايش السلمي مابين المختلفين في الدين والعقيدة موجود منذ القدم والشواهد كثيرة، فقد كان اليهود والمسلمون متعايشين سلمياً في القدس لحين الاحتلال الصليبي عام 491هـ في أول حملة صليبية قدمت للمشرق الإسلامي، وتم قتل عشرات الآلاف من السكان مابين مسلمين ويهود حسب ما أشارت إليه المصادر الإسلامية والغربية، كذلك يروي لنا المؤرخ ابن واصل مؤرخ الدولة الأيوبية عبر كتابه «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب» أن السلطان الظاهر بيبرس بعثه رسولاً إلى الإمبراطور منفريدا ملك صقلية سنة 659هـ ومكث عنده طويلاً ويقول «وبالقرب من البلد الذي كنت نازلاً به مدينة تسمى لوجارة أهلها كلهم مسلمون من أهل جزيرة صقلية، وتقام فيها الجمعة، وهي على هذه الصفة من عهد أبيه الإمبراطور فردريك، وأغلب العاملين عند الإمبراطور الذين يتولون أموره الخاصة به من المسلمين، وكان يعلن في معسكره بالأذان والصلاة».
أمر التعايش والتقارب بين الناس أمر مهم وأغلب البشر يحبون ويرغبون في التعايش السلمي مع المختلفين معهم في العقيدة والمذهب، فالله سبحانه وتعالى يقول «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» ولذلك، فالتنوع والتعدد سنة من سنن الله، وقيل «التسامح ثمرة للتعايش ونتيجة عنه، فلا يمكن أن يكون التسامح إلا بعد عيش مشترك لجماعة من الناس، تحمل أفكاراً وتصورات متباينة، وتمارس عادات متنوعة» فكم نحن بحاجة لمثل هذا التعايش الجميل الذي يدعو إلى التسامح والتآخي بين الناس، فلا نجعل المشكلات السياسية هي التي تفرق الشعوب، بل نجعل من مثل هذه الشواهد الجميلة التي حدثت في أمريكا أمراً مهماً لنا جميعاً لغرس قيم التسامح والتعايش السلمي بيننا بمختلف ميولنا ومعتقداتنا، كما أنه على الإعلام العربي استغلال مثل هذه الأحداث التي حدثت من الشعب الأمريكي ونشرها وتحليلها عبر أناس متخصصين حتى تصل الفائدة إلى شريحة كبيرة من الناس ليفهموا ويعوا معنى قيم التسامح والتعايش السلمي.
ختاماً ما حدث في أمريكا يعكس مدى التقارب والتواد بين الشعب الأمريكي بمختلف مكوناته وبين المسلمين، وهذا أمر مفرح جداً أن يحظى المسلمون بهذا الترحيب من قبل الشعب الأمريكي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩١) صفحة (٩) بتاريخ (٠٦-٠٢-٢٠١٧)