من تقليعات الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب التي أصبح مشهوراً بها أنه طلب من زوجته وملكة جمال أن تسكبا عليه في الشتاء الماء البارد أمام الكاميرا وهو بكامل أناقته ليؤكد أن شعره حقيقي وليس مصطنعاً أو مصبوغاً، وأنه يتحمل البرد متحدياً، كما يقول ترامب قبل سكب سطلي الماء عليه، كلاًّ من الرئيس السابق باراك أوباما وأولاده. وهذا يكشف جانباً من شخصية الرجل الذي يقود أقوى دولة في العالم ويمسك بمفاتيح أسلحتها النووية.
لكن ترامب وهو يمضي في الأيام المائة الأولى من دخوله البيت الأبيض، أثار كثيراً من الجدل إزاء سياساته الداخلية والخارجية على السواء. داخلياً كان الأمر التنفيذي الذي أصدره ومنع بموجبه مواطني سبع دول عربية وإسلامية من دخول الأراضي الأمريكية، كافياً ليثير عليه عش الدبابير ويسبب قلقاً بالغاً لإدارته الجديدة، حيث أصدر قضاة الولايات قرارات تنفيذية مضادة للأمر الرئاسي، وتسبب ذلك أيضاً في إقالة القائم بأعمال وزير العدل، وسُيرت مظاهرات كبرى في مختلف الولايات وتحركت مؤسسات المجتمع المدني وحُركت دعاوى قضائية ضد إجراءات الرئيس وقراراته التنفيذية. ومن المرجح أن يستمر الجدل حول إدارة الرئيس الجديد القادم من عالم العقارات والفندقة والتجارة، بما فيه أهليته التي بدأ علماء النفس والاجتماع امتحانها وتقديم رؤى إزاءها تفيد بالتشابه الكبير بين الفوهرر هتلر في ألمانيا ودونالد ترامب في أمريكا.
خارجياً، وحيث تعهد ترامب إبان حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية في الكيان الصهيوني من تل أبيب إلى القدس، ثم عاد وقال إن ذلك يحتاج إلى مزيد من الوقت، لكنه لم يعلق على قرار الكنيست الصهيوني القاضي بمنح المستوطنين حق السرقة والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، وكأن الكيان قد تلقَّى الضوء الأخضر من الإدارة الجديدة للبيت الأبيض. ولا شك أن هذا الموقف سوف يشجع حكومة نتنياهو على مضاعفة مصادرة الأراضي وهدم بيوت الفلسطينيين في مختلف المناطق، ومنها النقب التي بدأت قوات الاحتلال بتجريف المزارع والبيوت وتشريد أهلها.في الساحة السورية، تنفس الأتراك الصعداء بعد المكالمة الهاتفية بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب التي أعلن عنها الأتراك وأكدوا فيها وقوف واشنطن مع أنقرة في حربها ضد تنظيم داعش. وهو الأمر الذي ستعيد فيه تركيا ترتيب أوراق علاقاتها مع الجانب الروسي الذي تمكن من إقناع الأولى بضرورة المشاركة الفاعلة في مؤتمر الأستانة بكازاخستان والعمل معاً على أرضية مشتركة أرادت تركيا منها إقراراً روسياً بعدم أحقية الأكراد في تأسيس كيان لهم على الحدود السورية التركية. مبادرة ترامب هذه أوصلت رسالة واضحة بأن إدارة البيت الأبيض جادة في إقامة «المنطقة الآمنة» لاستيعاب اللاجئين السوريين ومنعهم من الوصول إلى البر الأمريكي. وبالتوازي صعَّدت إدارة ترامب مع إيران لتتشكل بوادر أزمة جديدة بين الجانبين يصعب التكهن بنتائجها الإقليمية.
لم يتوقف الرئيس الجديد عند حدود الشرق الأوسط، فقد سبق أن هدد جيرانه كندا والمكسيك بإعادة النظر في اتفاق التجارة الحرة «نافتا» الموقعة في عام 1994 بين الدول الثلاث. وفوق إصراره على بناء الجدار العازل مع المكسيك، فقد غمز من زاوية كندا التي حذرت وزيرة خارجيتها كريستيا فريلاند قبل أيام نظيرها الأمريكي ريكس تيلرسون «بأن بلادها سترد بالمثل، في حال فرضت الولايات المتحدة الأمريكية رسوماً جمركية على المنتجات الكندية»، حيث تستورد أمريكا 75% من الصادرات الكندية، وقد سجَّلت كندا فائضاً في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة مقداره 23 مليار يورو (32 مليار دولار كندي)، وفق معهد الإحصاءات الكندي. تحذيرات كندا ليست يتيمة، فقد سبقها الاتحاد الأوروبي الذي اعتبر انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية يشكل خطراً على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، حسب قول رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، الذي أفصح عن أن انتخاب ترامب «ينطوي على خطر يزعزع العلاقات بين القارتين من أساسها وفي هيكلها».
كل ما سبق قد يكون مهضوماً بالنسبة للعلاقات الدولية، لكن توتر العلاقة مع الصين هو ما يراقبه العالم أكثر من أي قضية أخرى أثارها ترامب في الأسابيع القليلة الماضية من دخوله البيت الأبيض. فقد استنفرت الصين بسبب ما سمته بكين «تجرُّأ» من ترامب على مهاتفته رئيسة تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها. ترامب يتهم الصين بأنها تتلاعب بالعملة الوطنية وبالتجارة الدولية وتفرض ضرائب غير عادلة على الصادرات الأمريكية وتعسكر بحر الصين الجنوبي. الموقف (الترامبي) ليس وحيداً، فقد سبقته مرشحة الرئاسة هيلاري كلينتون عندما قالت «لا أريد لأحفادي أن يعيشوا في عالم تهيمن عليه الصين»، حسبما نقلت مجلة أتلانتيك، علماً بأن الصين تنفق 130 مليار دولار أمريكي مقابل أكثر من تريليون دولار تنفقها الولايات المتحدة على الجانب العسكري. لكن هاجس الهيمنة الصينية على التجارة العالمية حاضر بقوة لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وهي ترى حجم التوسع المطرد للتجارة الصينية الخارجية، خصوصاً مع الولايات المتحدة. وتوضح الأرقام أنه بنهاية 2016 بلغ حجم التجارة الصينية الأمريكية 519.6 مليار دولار، مقابل 2.5 مليار دولار في 1979، كما تبلغ تجارة الخدمات الثنائية أكثر من 100 مليار دولار، والاستثمارات المتبادلة 170 مليار دولار. وتستثمر الصين في الديون الأمريكية 1.244 تريليون دولار كأكبر دائن خارجي للولايات المتحدة الأمريكية. ورغم محاولة مجلس الأعمال الأمريكي الصيني تخفيف التوجس لدى الإدارة الأمريكية بإعلانه أن أنشطة التجارة والاستثمار أوجدت 2.6 مليون وظيفة للأمريكيين.
إن الواضح من تحركات الإدارة الأمريكية الجديدة أنها تتجه لخلط الأوراق جميعها وإعادة فرزها وفق مصالح واشنطن. وفي هذا الطريق آلام كثيرة ستتعرض لها بلدان راهناً ومستقبلاً إذا استمر النهج الترامبي على ما هو عليه، الأمر الذي قد يقود إلى زيادة التدهور في الاستقرار العالمي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩٥) صفحة (٩) بتاريخ (١٠-٠٢-٢٠١٧)