في مفارقة بين الطبول التي تدق للحرب في فلسطين والطبول التي تخرج مع مواويل الفرح الفلسطيني؛ يمكن أن يكون «لصوت فلسطين» لغة أخرى تتقارب مع ألحان الوجع وغصات الحنين وأنين السجون أحيانا، وترتقي إلى السلم المهجور لتطالب بلحظات السعادة والمشاعر الإنسانية أحيانا أخرى عندما ينفلت العصفور الفلسطيني من شباك صيادي الموت، ويخرج من بحر غزة أو من تلال الضفة الغربية راكضا إلى شوارع العالم؛ «ليغني» بلغة الإنسان والضمير والكائن الحي الذي يتحدث عن ابتسامة يمكن أن تشرق من بين الدموع وعن المشاعر المستعارة والمختبئة خلف الكواليس.. تلك المفارقات التي يمكن تعيد القصة للضمير العالمي الذي كرس نفسه لمنطقية حالة لا إنسانية، يجب أن تفرض على من يعيش عمرا بأكمله في حالة نضال ومواجهة استعمار شرس، وسط تقاطعات واختلاف القيادات التي جلبت وبالا إضافيا إلى الشعب المحاصر، وبين حالة الخذلان والانشغال بخلافات عنصرية وطائفية لعالم عربي سقطت فلسطين من قطار أخباره، وغابت فلسطين حتى من لحظات يستعيد فيها ذاكرته في نشرات أخبار التاسعة والعاشرة وأخبار ما بعد منتصف الليل، وأقصيت من برامج الأفلام الوثائقية والحوارات العاصفة عن جدلية المسؤولية والتراشق بالتهم عن استمرار الاستعمار وبقائه لعمر عربي يزيد عن 60 سنة.
«الغناء» هنا محاولة أخرى للخروج من الأنقاض ومن ثقوب المرحلة عبر برامج المواهب الغنائية لإعادة الذاكرة المفقودة للعالم عن كلمة اسمها «فلسطين»، اختارت أن تخرج رغم الحصار والألم والزنازين والأسر، ومن خريف الأيام عبر بوابة «الغناء المستحيل»، ذلك الذي تجاوز الأسوار والمعابر وخرج إلى الشاشات العربية حرا أبيا بلغة مختلفة تحمل معاني الحب الانسيابية التي تقول إن الفلسطيني تعب من لغة الوجع، ومن البحث عن وطن غاب عن الذاكرة العربية؛ ليقول للعالم إنه يشعر كغيره، ويكتب للعشق وللحب وللسلام والحريات ولعنفوان أغصان الزيتون، وأنه يمتلك ذات المشاعر الإنسانية التي غيبها قمع الاحتلال وألقاها خلف أسوار العزل والإقصاء، ففي حكاية الغناء الفلسطيني الذي قد يعتبره بعض الأشخاص «استثنائيا»، وقد تكون هناك وجهة نظر تعاني من عقد الرفض بحجة أنه لن يقدم خطوة واحدة نحو التحرير والنضال الفلسطيني. هذه العبارات تحتاج إلى إعادة النظر في رؤيتها حول هذه الأصوات وأهميتها، فتجربة الفنان الفلسطيني محمد عساف وغيره من الشباب الذين بدأوا يديرون الحرب عبر دفة السلام تقول إن الغناء لن يحرر فلسطين، ولكنه سيقول معلومة عظيمة عن إنسانية الفلسطيني، وعن حبه للسلام، وعن مشاعر متدفقة يجهلها كثيرون عنه، وعما يمتلك من مواهب مغيبة تمس قاع الإنسانية، وتؤكد وجودها في قلوب الفلسطينيين الذين يريدون أن يغنوا للفرح كما غنوا للنضال وحب الوطن والبطولات، وأنهم يحاولون الوصول إلى شاطئ من وعود جديدة مع الحياة بعد أن طالت ليالي الصبر لسنوات عديدة حُرم خلالها أطفال فلسطين من مشاعر الطفولة من لعبة أو من ملابس جديدة في الأعياد من لحظة أمان من أمطار الرصاص التي لم تقنعها عيونهم البريئة عن اقتناص قلوب الصغار وخطف معاني الحياة من شعب بأكمله يعيش خلف قضبان الحياة.
هذه التجارب الغنائية الفريدة هي رسالة إنسانية فلسطينية من الدرجة الأولى، واعتراف فلسطيني لنفسه وللعالم بأنه إنسان يعيش ويحب ويشعر ويتعب ويعاني، وبأنه يريد أن يعيش في سلام، وهي رسالة مهمة لإسرائيل التي تروج لفكرة الفلسطيني الإرهابي والمتوحش، في محاولة لإقناع العالم بهذه الأفكار وتكريسها في الذهنية العالمية.
هذه الأصوات تقول للعالم أجمع إن الفلسطينيين يفرحون ويحزنون ويغنون، ولديهم كل الصفات الوراثية والجينات التي تتيح لهم أن يكونوا من بني البشر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩٥) صفحة (٩) بتاريخ (١٠-٠٢-٢٠١٧)