عبدالله الوصالي

عبدالله الوصالي

حين وصل الرئيس السابق باراك أوباما إلى قاعدة أندروز في ميرلاند بعد مغادرته واشنطن في يوم تنصيب الرئيس الجديد، ألقى خطاباً قصيراً، لكنه كان لافتاً في حفل وداعٍ حضره 2000 شخص. أهمية الخطاب تكمن في العبارات التي قال فيها: «لم تكن المباني يوماً هي ديمقراطيتنا. إنها أنتم باتحادكم وتعاونكم. التغيير يحدث من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس. إنها توقف قصير للديمقراطية». ثم بما عُرِفَ عنه من قدرة خطابية بلاغية قال مستعيراً معنى آخر لكلمة «Period» التي تعني حقبة، هو معنى، نقطة أول السطر، التي ترمز إلى نهاية الأمر: «هذه ليست نقطة. إنها مجرد فاصلة في قصة بناء أمريكا المستمرة»
«This is not a period; this is a comma in the continuing story of building America».
جاء حديث أوباما، الذي كانت ملامح الامتعاض واضحة على وجهه طوال مراسم التنصيب، بعد قليلٍ من الخطاب الذي أعلن فيه الرئيس الجديد دون مراعاة للذوق الديبلوماسي، ودن أن يضع اعتباراً للنخبة السياسية التي حضرت، وبكل صراحة، أن سلطة الشعب الأمريكي كانت مختطفة من قِبل الإدارات الأمريكية، أي من قِبل الرؤساء السابقين، الذين كان عدد منهم يقفون خلفه مباشرة في منصة الحفل، وأنه سيعيدها من جديد إلى الشعب الأمريكي!
في جميع الحالات الرئاسية السابقة، كان المراقبون في العالم، وفي أمريكا، ينتظرون المائة يوم الأولى للرئيس كي يعرفوا من خلال أدائه فيها توجهاته السياسية والاستراتيجية، ومنها يستنتجون أي رئيس سيكون، وهل سيطبِّق مشروعه الانتخابي، أم إنه بدأ مشوار التنصل من وعوده كعادة الرؤساء؟ أما ترامب فقد وفَّر الوقت على الجميع، وأكد أنه ماضٍ في تنفيذ مشروعه الانتخابي، ففي الأيام القليلة الأولى، وليس حتى الأسابيع، أقر صلاحيات هائلة لوكالة الهجرة والجمارك، ومنع استقبال المهاجرين من سبع دول ذات أغلبيه مسلمة، وشرع في الإعداد لبناء سورٍ على الحدود مع المكسيك، وقدم كثير من موظفي الشؤون الخارجية استقالاتهم التي طالب بها لتغيير وجه السياسة الخارجية الأمريكية، وعزل القائمة بأعمال وزير العدل حين لم تنفذ قوانين الهجرة التنفيذية التي أقرها، وربما ستصدر قرارات أخرى في المدة التي ستستغرقها هذه السطور لتصل إلى القارئ!
وبالعودة إلى قراءة خطاب أوباما المذكور؛ لاشك في أنه قصد بـ «المباني» البيتَ الأبيض الذي احتله ترامب أخيراً، بطريقة تقلل من شأنه، كما أنه عنى بـ «أنتم» الشعبَ الأمريكي، أما تلك الاحتجاجات الهائلة والمتفاقمة التي أشعلت شوارع ومدن أمريكا غضباً وحنقاً، الرافضة أوامر الرئيس الجديد التنفيذية المتتالية، فربما كانت المقصودة من أوباما بآلية التغيير من الأسفل إلى الأعلى.
وإذا كان من الصعب تصديق أن نخبة واشنطن السياسية ستهضم تلك الإهانة التي تلقتها على الملأ من رجل جاء من خارجها، فهل يتحقق الجزء المجازي الأخير من الخطاب من أن ما يحصل حالياً من مجيء هذه الإدارة الأمريكية ليست حقبةً، بل توقفاً بسيطاً للحياة الديمقراطية، وأن أمريكا، وربما العالم، لا يمكنه تحمل وجود رجل مثل الرئيس الجديد في سدة الحكم حتى لفترة رئاسية واحدة؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩٧) صفحة (٨) بتاريخ (١٢-٠٢-٢٠١٧)