حمود عبدالله الحسن

حمود عبدالله الحسن

في البداية أود أن أنبه إلى أنني أعلم أني متأخر جداً في قول هذه الجملة، ولربما أصبحت في ركب المتأخرين الذين لا يعلمون ماذا يطرأ في العالم من جديد أو في المجتمع المحيط به على وجه الخصوص. (عصر السرعة) هذا ما يحب التقنيون إطلاقه على زمننا هذا ومتغيراته، ولأن السرعة ليست مرتكزة على الجانب التقني فقط، أصبحنا نواكبها في معاملاتنا اليومية من سرعة حياة ملحوظة عن ما كانت عليه من قبل، وسرعة في التعاملات والمعاملات والخطابات والتحدث والنقاش وكل ما كنا نفعله على مدى طويل أصبح بالكاد يسمى مدى، ليست هنالك لوحات وقوف في شارع السرعة وإلا لِمَ سُمي بذلك الاسم، بل إنني أجزم بأنك إذا لم تسِر بنفس السرعة غير المحددة ستنال وابلاً وسيلاً جارفاً من الانتقادات الموجهة إليك تحت عنوان (متخلف)! ولهذا وجب التنبيه في ذلك. عزيزي، لقد أصبحنا في زمن يحتاج منك أن تثبت قدميك به لا أن تصبح مهزوزاً ليناً تسحبك كل جادة في الشوارع لتستريح فيها من عبء هذه الحياة وتعبها، وكأننا لسنا نعرف أبداً أننا لن نتذوق طعم الراحة الأبدية فيها نفسياً وجسدياً!
عليك أن تثبت نفسك في خارطة هذا الزمن فربما قريباً سيصبح البقاء للأفضل يا رجل! ثم إنني لا أزعم أنك إذا لم تواكب هذا العصر ستصبح بلا فائدة ودون جدوى، فقط سأضمن لك أنك ستكون في الصف الخامس من الأعلى من الكراسي في دور المسرح لتشاهد مجتمعك بأسره على خشبة المسرح يصول ويجول في هذا الزمن، لتجلس أنت عاجزاً متمتماً ومتحدثاً عن صعوبة مجاراة هذا الزمن وتبحث عن رفيق درب لك ليصبح معك فلا تجد أحداً معك لأنه باختصار لا أحد يريد أن يكون جالساً على تلك الكراسي. انهل من الثقافة وتشبَّع منها، ولكن لا تشبع منها حتى لا تشتهيها أبداً، وتثقف فلا أحد يريد عقلاً ضحلاً.
انهل من التجارب والمواقف فلها أثر كبير جداً على حياتك، ولا تكن من الذين يسمعون لكي يعيشوا لحظة السماع للمواقف فقط، بل دع المواقف تعيش فيك، اسقِ عطشك بكثرة الأسئلة لمن هم أكبر وأكثر خبرة منك لكي لا تفكر كثيراً في قراراتك، إما نعم أو لا فلا مجال لذوي الخبرة أمثالك أن ينتظر كثيراً، في هذه الأمثلة السابقة أردت أن أبين لك أنك أنت من يصنع نفسك في خضم هذا الزمن، فلا تنتظر من أحد أن ينمي فيك جوانبك الذاتية والروحية التي تحملها أنت وتنتظر أن يكتشف قدراتك في خمسة أيام، ليبين لك إذا أنت تعيش في ساحة واسعة من السعادة أو أياماً تعيسة واهمة يقررها شخص لا يعلم ما اسمك في الغالب! اصنع من اللاشيء شيئاً ثميناً، أو بالأصح اصنع من الليمون الحامض شراباً حلواً، كن سريعاً مع الحياة ولا تكن أسرع منها، لا تظل واقفاً إذا انقطع بك الطريق عن أمر معين، فقط استعِن بالله وابحث عن طرق أخرى فليس هنالك وقت للتذمر، إذا لم تستطِع أن تجد لك وظيفة اجعل لك مشروعاً ربما يتوافد إليه من كان في تلك الوظائف لينضم إليه، تريد الزواج؟ فقط فكِّر في كيفية اقتناعك بامرأة واحدة لتعلم أن الأرزاق ستأتي، وعليك ببذل الأسباب والتوكل على الله. اغتنم الفرص وكن شرهاً في ذلك ولا تكن شرهاً فقط، أوجد نفسك وأثبتها فنحن ننتظرك بفارغ الصبر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩٧) صفحة (٨) بتاريخ (١٢-٠٢-٢٠١٧)