كان بودي أن المعدين الذين أعدوا الكتابين كتبوا سيرة ذاتية عن الدكتور وعرّفوا القارئ بنبذة مختصرة عن الدكتور ـ رحمه الله ـ؛ لأنها من وجهة نظري توطئة لكل قارئ لا يعرف سيرة الدكتور عبدالله العسكر…

هذا العنوان اقتبسته من الكتاب الشهري الذي أصدرته صحيفة الرياض قبل فترة الذي يجمع مقالات الدكتور عبدالله العسكر ـ رحمه الله ـ الذي وافته المنية في الإسكندرية في الصيف الماضي وهو خارج من إحدى مكتباتها؛ حيث تعرض لحادث مروري أودى بحياته.
الدكتور عبدالله العسكر أحد أعضاء هيئة التدريس في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود، وأحد البارزين فكرياً وعلمياً فيه؛ حيث توفي ـ رحمه الله ـ وهو عضو مجلس شورى، وكانت لي معه وقفات جميلة عندما كنت طالباً عنده بمرحلة الدكتوراة؛ حيث كانت منهجيته تختلف عن الكثيرين، فهو يحاول تكليف الطالب بتحقيق بعض الوثائق ليتدرب على قراءة تلك الوثائق القديمة، أو يكلف كل طالب بموضوع مستقل لوحده طوال الفصل، فأتذكر أنه كلفني بوثيقة كتبت باللغة الإنجليزية عن سقيفة بني ساعدة، وكان ينصحني ويوجهني بطريقته، فكان لي نعم الصديق ونعم الأخ، وبعد تخرجي كنت أستشيره في أمور كثيرة، وعندما بدأت أكتب مقالاتي اتصل علي مهنئاً وسعيداً ببداياتي، وكان ـ رحمه الله ـ لديه طريقة جميلة في التواصل مع طلابه الذين درّسهم أو أشرف على رسائلهم في مرحلة الدكتوراة، ويدعوهم للاجتماع في منزله في نهاية كل فصل، ويجتمع بهم ويتناقش معهم ويتعرف أخبارهم، وحضرت عدة مرات هذه الاجتماعات بمنزله، وتعرفت على زملاء كثر في نفس التخصص عن طريقه.
ما قصدته من هذا المقال هو الكتاب الشهري الذي صدر عن صحيفة الرياض في جزأين، الجزء الأول بعنوان «تدوير التاريخ» والجزء الثاني بعنوان «الإمتاع والمؤانسة في التاريخ»، وهذان الكتابان يضمان مقالات الدكتور عبدالله العسكر التي نشرت له في صحيفة الرياض، وأغلبها كانت عن التاريخ سواء الإسلامي أو تاريخ المملكة، وكان بودي أن المعدين الذين أعدوا الكتابين كتبوا سيرة ذاتية عن الدكتور وعرّفوا القارئ بنبذة مختصرة عن الدكتور ـ رحمه الله ـ؛ لأنها من وجهة نظري توطئة لكل قارئ لا يعرف سيرة الدكتور عبدالله العسكر، وتُشكر صحيفة الرياض على إخراجها المميز لمقالات الدكتور، وهذا يحسب لها في الاهتمام بمنتجها الفكري، وحبذا لو تقوم بذلك للأحياء أيضاً، فهم يستحقون التكريم.
فكرة توثيق المقالات في كتاب مستقل فكرة جميلة يفترض أن تقوم بها كل صحيفة عن كتّابها المتميزين الذين كتبوا بها لسنوات طويلة، وأتذكر أنني قد طلبت من مدير التحرير في هذه الصحيفة الموقرة الأستاذ/ عبدالوهاب العريّض أن يعرض على مجلس الإدارة فكرة إصدار مقالات كتّاب الرأي في كتب شهرية مستقلة تكريماً لهم، ووعدني، ومازلت أنتظر الرد؛ لأن ذلك سيسهم في حفظ وجمع نتاج وفكر هؤلاء الكتاب لمن أراد الاستزادة والاستفادة.
وبالعودة إلى عنوان المقال الذي كان عنواناً لمقال سابق له، فقد قال فيه الدكتور العسكر كلاماً جميلاً، أقتطف منه بعضه، وأحيل من يرغب في الاطلاع على بقية المقال أن يبحث عن الكتاب ويقرأه، يقول: «يتردد في الأوساط الثقافية أن التاريخ يمر بأزمة، ذلك أنه لم يعد العلم المقبول جماهيرياً، وما بال الأمم التي ندعوها متقدمة تولي التاريخ جل اهتمامها، ما بالها لا تفتأ ترصد الأموال والطاقات البشرية لهذا العلم، وأحسب أن بعضكم يعرف أن قسم التاريخ في الجامعات الأمريكية يُعد من أكبر الأقسام العلمية، بل إن بعض مقررات التاريخ تُدرس كمقرر إجباري في معظم الجامعات العالمية لمختلف التخصصات».
ويكمل في دفاعه عن علم التاريخ ويقول: «أنا لا أدافع عن التاريخ لأنني من زمرة أصحابه، وليس هو بحاجة لمرافعتي، فالتاريخ تاريخان: تاريخ وجود وتاريخ فكر، فالأول هو تاريخ الفرد وما يحيط به من بيئة على مر الحقب التاريخية، والثاني: هو تاريخ الأنشطة المعروفة الذهنية، ورصدها وتحليلها واستنباط القواعد والنظم والقوانين؛ لتكون عوناً للمرء في يومه وغده».
هذا هو الدكتور عبدالله العسكر ـ رحمه الله ـ، جميل في كتاباته وتحليلاته، ولعلي أزيد على ما ذكره في مقاله أنه ومع الأسف أن أغلب جامعاتنا أهملت هذا العلم إهمالاً كبيراً، فهناك جامعات أغلقت قسم التاريخ، وهناك جامعات جديدة لا يوجد فيها قسم للتاريخ، فكيف نخرج أولادنا دون أن يمر عليهم تاريخ السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وتاريخ المملكة «التاريخ الوطني»، فكيف لنا بطلاب يتخرجون مهندسين أو قضاة أو معلمين وهم لم يدرسوا مراحل التاريخ وأهميته على المستوى الفردي والجماعي.
ختاماً، استمتعت كثيراً بقراءة مقالات الدكتور عبدالله العسكر، وتذكرته ـ رحمه الله ـ، فكان من واجبي الحديث عن مناقبه ومواقفه الجميلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩٨) صفحة (٩) بتاريخ (١٣-٠٢-٢٠١٧)