القلب وعلله

1008888.jpg
طباعة التعليقات

د. أحمد صلاح

لا يمكن القول إن القلب هو أهم عضو فى الإنسان، ففي خلق الله هناك معجزات حتى في أبسط الصور، ولكن دعونا نقول إن القلب هو العضو الأكثر عملاً فى جسم ابن آدم، ففي ساعة النوم يهدأ كل عضو في جسم الإنسان إلا القلب يظل يعمل ليحافظ على مستوى كافٍ لإعطاء الجسم مكونات حياته استعداداً ليوم جديد.
ولا يمكن القول أيضاً إن المدنية الحديثة خصت القلب بأكثر علله انتشاراً، لأنها في الواقع أمدتنا بما لا يحصى من الأمراض والعلل ولكن، كان تأثير إيقاع الحياة الحديثة كبيراً من كسل وتوتر عصبي وإرهاق وإهمال للعادات الصحية وإهمال النشاط البدني وزيادة الوزن، كل هذا يؤثر فى القلب وشرايينه أكثر من أي عضو آخر من أعضاء الإنسان.

د. أحمد صلاح

د. أحمد صلاح

ومرض ضيق الشرايين التاجية الناتج عن تصلب الشرايين هو المرض الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتهديداً للقلب والشرايين التاجية، وحياة الإنسان عامة، ويعتبر القاتل الأول على مستوى العالم منذ عدة سنوات وحتى الآن.
ولنفهم هذا المرض لابد أن نفهم أولاً ميكانيكية عمل الشرايين التاجية، فهي ليست مجرد أنابيب لنقل الدورة الدموية لتغذية القلب النابض طول العمر فحسب، بل وتقوم بدور مهم في التحكم بكمية الدم والغذاء الواصل إلى القلب في كل حالاته، فدورة الدم في الشريان التاجي ساعة النوم تختلف عنها ساعة تناول الطعام، وعنها ساعة الجري، وهكذا.
وكما أن الكوليسترول بأنواعه له أعمال مهمة في تركيب الخلايا الجسدية عموماً والقلبية خاصة، وكذلك أهميته في دورة الشرايين، فإنه أيضاً ساعة زيادة الكم المحسوب عن الحد اللازم يقوم بدور مهم في حال حدث ترسيب في جدران الشرايين التاجية التي تفقد بالتدريج مرونتها المهمة لوظيفتها، وأيضاً قدرتها على إفراز مواد مهمة تنظم الدورة الدموية للقلب، وتساعد في هذا النشاط المفرط للصفائح الدموية، وكذلك مع عدد من الخلايا المناعية، وتعمل هذه المسببات كلها لزيادة رقعة وحجم إصابات الشرايين التصلبية إلى الحد الذي يفقد معه الشريان قطره اللازم ومرونته الضرورية للعمل بكفاءة في أي ظرف من ظروف الحياة، وبالتدريج يصل هذا الضيق في قطر الشريان إلى مرحلة حرجة تجعل القلب عاجزاً عن التحصل على الدورة الكافية ليقوم بمهامه ووظائفه، كما يعجز عن مواكبة متطلبات المريض الحياتية العامة، وفي النهاية يصل الأمر إلى مرحلة الانسداد الكامل للشرايين الذي يؤدي بالتبعية إلى «موت» جزء من عضلة القلب التي تحرم من الدم اللازم لحياتها ولعملها فيما يسمى باحتشاء عضلة القلب، ما يؤدي في النهاية إلى هبوط كفاءة القلب وقد يصل الأمر إلى وفاة المريض. وقد استطاع الدكتور جرونت أن يوصل أنبوباً خاصاً للشريان التاجي ويقوم كما قلنا بإدخال بالون داخله، وتوسيع هذا الضيق عن طريق البالون ما شكل طفرة في عالم علاج الشرايين التاجية. وتتميزعمليات قسطرة القلب بأنها أكثر دقة وأماناً وانتشاراً وسرعة ولا تحتاج للتخدير أو القلب الصناعي، ويمكن القول حقاً بأنها أفادت الملايين من البشر الذين ما كان يمكن لهم يعالجوا لولا عناية الله ثم إجراء هذه القسطرة التداخلية لشرايينهم في الوقت والمكان الملائمين والآن تعددت تقنيات قسطرة الشرايين التاجية من حيث وقت التدخل ونوعيه التدخل وكيفيته ونتائجه وفوائده فأصبح مريض الاحتشاء القلبي الحاد يخضع لعمل توسيع له خلال 90 دقيقة، وكم أنقذت هذه العمليات حياة مرضى كان يمكن أن يموتوا، ولا يسمع عنهم أحد ولله الفضل في ذلك كما توسعت الإجراءات حتى استطعنا أن نقوم بفتح الشرايين المغلقة بنسبه 100% وهكذا وكل هذا بمجرد حقنة تخدير موضعية وعملية لا تستغرق في المتوسط سوى ساعتين على الأكثر. فالحمد لله أن أنعم علينا جميعاً بهذا، ولكن يتبقى القول الشهير الذي أثبتت الأيام صدقه: الوقايه خير من العلاج.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٠١) صفحة (٨) بتاريخ (١٦-٠٢-٢٠١٧)