اختلفت أطياف المجتمع وشرائحه حول فتح دور السينما وإقرارها في المجتمع، ومع أن الموضوع قد يكون محسوماً من قبل أهل الاختصاص من الولاة والعلماء والمسؤولين، إلا أن الخلاف بين شريحة كبيرة من المجتمع لا يزال قائماً، حول ما يتعلق بالجوانب الأخلاقية والآداب العامة وتأثيرها على نشأة الطفل والمجتمع بشكل عام، مع عدم وجود تصور كاف لمآلات هذه السينما لكثير من الناس، فمنهم من يرى أن ضررها جسيم ولو بعد حين، وبعضهم الآخر لا يرى الضرر إلا في أذهان الشريحة الممتنعة، فالضرر بالنسبة لهم وهميّ ودليلهم انتشار القنوات الفضائية. ولمعرفة نفع الشيء من ضرره، لابد من معرفة أثره وتأثيره سلباً وإيجاباً على من مضى. ولعلي أذكر قصة حقيقية توضح شيئاً من المراد، ففي مدينة غالفستون في تكساس تم عرض فيلم عن الثورة المكسيكية وهو يصور تصويراً حقيقياً لتلك الثورة، حيث يقتل الرجال ويُجرُّون من منازلهم ويذبحون على يد الثوار بصورة مقززة وبشعة، لم تألفها النفوس أو الأنظار، فكانت نتيجة هذه المشاهد أن أغمي على المشاهدات، أما المشاهدون فقد تقيأ أكثرهم من هذه الصور، ولقد أدى هذا إلى منع الفيلم، أما اليوم فنجد أن أفلاماً كهذه تعرض في تلك البلاد يطلبها الأطفال والناشئة وفي دور العرض العامة. وهذا مثال على مدى ما حققته السينما تدريجيّاً من سيطرة على الشباب بحيث أصبحوا قساة لا تهمهم المناظر الدموية المؤذية، فأصبحوا يشاهدون دون أي انزعاج مناظر القتل والاغتصاب، تماماً كما تؤديه نشرات الأخبار التي تعرض أخبار القتل والهدم بصورة يومية وبأسلوب جميل مع أنغامٍ مؤثرة لا تحرك فينا شيئاً، ولكن في نفس الوقت لا نشعر معها بالملل، فما يراه المشاهد من الأمور الأخرى «المزوقة» من هندام المقدم أو المقدمة، والطلة المتألقة، والأسلوب في الإلقاء، وتنقل الكاميرا في الاستوديو، يعوض ما تولده الأخبار من ملل أو تبلد نتيجة تكرر مسلسل النشرة الدموية الإخبارية. لقد لعبت السينما دوراً كبيراً في انقلاب الشباب على بيوتهم وأوطانهم وأديانهم، فدور السينما تعرض في أكثر الأحيان أفلاماً تتنوع فيها خلال ساعة كاملة -أو تزيد- جميع الأعمال الإجرامية التي يقوم بها الطغاة والفاسقون من الرجال أو النساء التي يعافها الضمير وتحرمها الشريعة، وبعد ذلك تخصص دقيقة واحدة فقط لعقاب هؤلاء بأن يموتوا أو يقبض عليهم. إن من أخطر ما خلفته السينما لتلك البلدان هو تقويض الأخلاق عن طريق تبليد وتجفيف وقتل الحس الداخلي والفطري للإنسان السوي بشكل أساس وتدريجي، ولو كان هناك شيء من العبادات، لأن هذه العبادة إن كانت بلا روح صارت مجرد عادة، وإن ملأ الإنسان جل وقته بالعبادات والتنسك، صار ضرر الزيادة كالنقصان -إفراطاً وتفريطاً-، فلا تأثر أو تأثير معها، على عكس الأخلاق التي متى ما زادت زاد معها المجتمع في التأثر والتأثير بشكل إيجابي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٠٢) صفحة (٩) بتاريخ (١٧-٠٢-٢٠١٧)