من بين الدموع يمكن أن تخرج «أجمل الابتسامات»، بعد أن تنطلق من خيوط الصمت المطبق لغة أخرى تثرثر نيابة عنا عندما تحجز الدمعة مكانها في محجر العين حائرة تريد أن تنجو ببقايا «أمل» أو تنهيدة ارتياح، فمن يكبر على لغة الدموع؟ تلك التي يرضخ أمامها أقسى الجبابرة يستسلمون لها بعد أن تعلن سلطتها العفوية وهي تتدحرج على صفحة الوجه لتكتب كلمة «إنسان» ثم تعود لتسقي بذور المشاعر بالفرح أو بموجات الأحزان، هذه اللغة الخاصة تخرج دون استئذان، قد تراها عندما تتحدث وتشرح وتتساءل نيابة عنك، أو عندما تحمل بين طياتها معنى الذات الإنسانية التي قد يتنكر لها بعض الأشخاص ويحبسها باعتبارها إحدى أبجديات الضعف الذي يجب أن يظل مختبئا فينا، ولعلنا بذلك قد نقسو على أنفسنا وعلى من حولنا؛ لتتجاوزنا وتتفوق علينا لغة الصخور والأحجار التي قال الله عنها «وإن مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه».
وقد يرى بعض الأشخاص في لغة الدموع حالة الضعف والانكسار، ويقوم بمحاولات يائسة لابتلاعها ومنعها حتى لا يشعر أنها تخذله لكنها في النهاية ورغم كل المحاولات تعلن عصيانها وإنسانيتها رغما عنه، وتقول كلمتها عن نبل المشاعر التي يجب أن تميزنا عن كائنات وجمادات هذا الكون؛ لتكون أداة عفوية وطريقاً للتعبير عن أوجاعنا المختبئة في صميم الوجدان وبغض النظر عن المبرر الذي يدفعنا للبكاء إلا أن هذا الانفعال الطبيعي يتعهد بتهدئة أعصابنا والتخفيف من حدة مشاعرنا التي تجعلنا منقادين لها لا نقوى على مقاومتها، فهي الكلمات التي لا تقال، وهي الينابيع المنهمرة التي تمر بها الطيور لترتوي بعد أن قتلها الظمأ بعد أن انعتقت من سجن الغصات فعندما تهرهر هذه القطرات من عيني فهي تريد أن تشتكي ذاتي لذاتي وتسابقني لتخبرني كيف يمكن أن أكبر على مواجعي أكثر وأن أعود إلى إنسانيتي أكثر بعد لأن تقنعني بفلسفة دموع الشموع الخجولة التي سالت لتعبر عن معاني احتراقها، وأنها كانت صادقة ومنطقية عندما بكت على احتراقها، فكل ما في هذا الكون يبكي على طريقته ويحزن بأسلوبه الخاص، فالتماسيح تبكي حقاً لكن ليس لأنها حزينة لكنها تبكي عندما تتناول الطعام أيضاً.
ولكن يظل للإنسان خصوصيته في التعامل مع الدموع لمساعدة الجسم في العودة إلى التوازن والرحمة، فالدموع هي إهداء النفس للنفس للوصول إلى النضج النفسي والذهني الذي يروي الروح ويغذيها، ومن هنا فإن دموع الإنسان راحة لقلبه، وسكن لنفسه، وترويح عن أعصابه، ونعمة كبرى من نعم الله وآية من آياته سبحانه في النفس البشرية، ولولاه لمات الإنسان كمداً، ولأضحت حياته جحيماً من كثرة الهموم، فهو لغة بديهية الصدق التي يفهمها الصادقون، وهذا ما أكدته الدراسات؛ حيث أثبتت دراسة علمية أجريت في «فرنسا» أن البكاء يطيل العمر ويحمي من أمراض الضغط، وأن الدموع تقتل 95% من البكتيريا الضارة التي تهاجم العين والأنف والحنجرة، كما أثبتت الدراسة العلمية أن الامتناع عن البكاء بالقصد يحدث تغيرات في الدم تجعل الإنسان أكثر عرضة للإصابة بالنزلات الصدرية وأمراض الشعب الهوائية.

يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

ولدتـك أمك يا ابن آدم باكيـاً
والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكاً مسـرورا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٠٢) صفحة (٩) بتاريخ (١٧-٠٢-٢٠١٧)