د. أرسلان عابد - جامعة الملك سعود

د. أرسلان عابد – جامعة الملك سعود

بالنسبة للمعلِّم.. فهو أهم ركن في العملية التعليمية.. كان ومازال.. وسيظل هو الأهم.. وفي رأيي أن مهنة المعلم هي أهم مهنة في الوطن.. إذ إنه بالفعل مربي الأجيال.. الذين هم مستقبل الوطن.. وإذا نظرنا إلى واقعنا لعلمنا سبب تواضع التعليم لدينا.. فالمشكلة مركبة والمسؤول عنها أطراف عدة.. ابتداءً من تعيين المعلم والمعلمة على المرتبة الخامسة وبراتب حكومي زهيد..لا يتناسب مع أهمية ما يفترض أن يقدمانه لوطنهما.. لذا أصبح التعليم في حالات كثيرة مطمع الباحثين عن الراحة والأمان الوظيفي.. وبالتالي تحولت مهنة التعليم لدينا غالباً إلى وظيفة تلقينية روتينية.. تقتل الإمكانيات مع مرور الوقت.. إذ ليست هناك وسيلة مستمرة للتطور الوظيفي ولا وجود للأبحاث والاستشارات..(مثل أساتذة الجامعات مثلاً)..التي من المفترض أن تجعل المعلمين متجددين في المجال ولديهم إمكانية مستمرة في الارتقاء العلمي والشخصي..وبالتالي العطاء التعليمي..
وتأتي نظرة المجتمع الذي يريد لأبنائه أن يصبحوا أطباء ومهندسين وغيرها من التخصصات التي تتمتع بدخل مادي أفضل في ميدان العمل كطرف آخر في المعادلة.. وهنا يجب أن نعترف بأن واقعنا أصبح مادياً.. فالوظيفة التي دخلها مرتفع في سوق العمل أصبحت مرغوبة كتخصص في التعليم العالي.. فحتى بعض المهن الأكثر إنسانية أصبحت مطلباً للبعض الذين يرون فيها مهنة تجارية تتيح لهم الكسب الوفير عبر العمل الخاص والإضافي الذي يكون التركيز عليه أكثر من العمل الأساسي والحكومي أحياناً.. ولا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يلومهم على ذلك.. فكل شخص لديه وجهة نظر بخصوص التعامل مع الحياة ومعطياتها.. ومتطلباتها المتغيرة باستمرار..
وعوداً على واقعنا.. فإن القبول في التخصصات بجامعاتنا محكوم بالمفاضلة على أساس المعدلات ونتائج الاختبارات القياسية.. وعليه يجبر أحياناً الطالب أو الطالبة على تخصص لا يتوافق مع رغبته ليتخرج معلماً «وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود كثير من المتميزين في سلك التعليم الذين كانت هذه المهنة هي رغبتهم في الأساس ولهذا هم متميزون.. ولهم الفضل بعد الله سبحانه وتعالى فيما وصلنا إليه»..ولكن المشكلة تكمن في من يمتهن مهنة التعليم عن غير رغبة.. والناتج أن لدينا «عدداً» من المعلمين والمعلمات بإمكانيات متواضعة تعليمياً.. وذوي طموح منخفض.. وبعضهم يفتقر لمهارات التعامل مع الطلبة.. وفي الغالب لم تتم تهيئتهم بدورات في مهارات التعليم «إذ إن المعرفة أمر وطريقة إيصالها أمر آخر» فيصبح المعلم «ملقناً» ويصبح التعليم مبنياً على التلقين.. بدلاً من الفهم والتعلم..
لهذا يجب أن تحدث ثورة في التعاطي مع مسألة التعليم والمعلم.. فمهنة المعلم هي أشرف مهنة ويجب أن تصبح من أكثر المهن رغبةً من قبل أبناء الوطن.. ولا يجب أصلاً أن يُقبل بها من هو ليس أهلاً لها، فالمعلم يجب أن يتمتع بقدرات استثنائية لممارسة المهنة بشكل صحيح ولتحقيق الأهداف التربوية والإبداعية والمعرفية المرجوة منها، فأبناؤنا بين يديه ومستقبل الوطن يعتمد عليه. لذا يجب أن يكون والداً، ومربياً وقدوة، ليرسخ الأخلاق القويمة، ويجب أن يكون مبدعاً ومتميزاً، ليرسخ المهارة ويكتشف الإبداع وينميه، ويجب أن يكون معلماً قديراً ليرسخ المعرفة ويحفز الطلاب على التعلم الذاتي والمستمر.. وبالطبع هنا أقصد المعلمة أيضاً.. التي ينطبق عليها تماماً ما ينطبق على المعلم وأكثر.. فليس أغلى من أبنائنا إلا بناتنا..
وبداية الحل هو أن تصبح مهنة المعلم مرغوبة من المتميزين.. ومطلباً للمبدعين..ولن يكون ذلك إلا بتهيئة البيئة الخلاقة والمحفزة على الدخول في هذا المجال.. فيجب الاهتمام بكليات التربية وكليات إعداد المعلمين.. وتغيير مناهجها بالكامل لتتواءم مع متطلبات المستقبل بتطوير آليات التدريس والتدريب بها.. وبالتالي رفع نسب القبول بها.. لتكون الخيار الأول عند التقديم على الجامعات..ولنكون واقعيين يجب أيضاً تهيئة البيئة الأفضل لمجال العمل في الميدان التعليمي.. وأول أمر هو أن تكون رواتب المعلمين متميزة ومنافسة.. مع إضافة حوافز مستمرة للمتميزين منهم.. وأن يكون هناك مجال للتعلم والتطوير المستمر في التخصص بإتاحة المجال للدراسات العليا للمتميزين بضوابط وآليات معينة.. لينعكس ذلك على العملية التعليمية ككل.
في رأيي أن كل هذا لا يمكن تحقيقه إلا بجعل مهنة التعليم مهنة غير حكومية بالمعنى التقليدي.. وألا تكون خاضعة للسلّم الوظيفي لوزارة الخدمة المدنية، ومؤكد أن هذا ما تعمل عليه الوزارة بمبادرتها لخصخصة الوظائف التعليمية، وبالتالي جعل قطاع التعليم قطاعاً حيوياً لا يخضع للبيروقراطية الحكومية وهذا أيضاً تهدف له الوزارة بمبادراتها لخصخصة الخدمات التعليمية، ولكن يجب أن نعلم أن هذه المبادرات ليست بهذه البساطة، ويجب التعامل معها بحذر لأن الهدف المرجو منها هو الجودة التعليمية والمرتبطة بمعايير لا يمكن التنازل عنها والموجهة في الأساس لعامة الطلبة والأقل نبوغاً لتتحقق العدالة التعليمية.
(المقال المقبل: خصخصة.. وتعليم..)

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٠٣) صفحة (٨) بتاريخ (١٨-٠٢-٢٠١٧)