د. أرسلان عابد - أكاديمي في جامعة الملك سعود

د. أرسلان عابد – أكاديمي في جامعة الملك سعود

كنت أتناقش مع أحد الزملاء الأعزاء بشكل عام في مشكلات بعض الوزارات الحيوية، واتفقنا أن لكل وزارة مشكلاتها الخاصة بها، فوزارة الصحة مثلاً مشكلاتها معقدة ولكن في الآخر الحل يكمن في العمل على تحسين تقديم الخدمة الصحية، بمعنى أنه من الممكن أن نرى نتائج وأهدافا سريعة مع ضرورة العمل على تأسيس قاعدة صحية قوية للمستقبل لتحقيق الأهداف بعيدة المدى، ولكن إن أردنا أن نأخذ وزارة التعليم كمثال، فالمشكلة أعقد من ذلك، لأن المشكلة الأساسية هي مشكلة «فكر»، فمهمة وزارة التعليم ليست مجرد تقديم خدمة تعليمية، إنما تتعدى ذلك إلى مهمة تأسيس وتأهيل أجيال المستقبل وفق تعاليم ديننا الكريم، أخلاقياً، وشخصياً، وعلمياً، وفكرياً، للوصول بهم إلى بر الأمان، وليكونوا النواة الطيبة لهذا الوطن، ومستقبله، ولرؤية نتائج حقيقية ربما نحتاج إلى ما يقارب العشرين عاماً للحكم إن كانت البداية صحيحة أم لا، فنحن نتحدث عن نجاح أبنائنا في ميادين الحياة الشخصية والعملية والمعتمدة على أعوام الدراسة المختلفة مابين التعليم العام والعالي. وهذا يوضح عظم المسؤولية على هذه الوزارة، وعليه يكون التساؤل، ماهو الدور المفترض لوزارة التعليم؟
في رأيي أن تشعب مسؤوليات الوزارة مثل ما ذكر سابقاً هو السبب في تشتت الجهود وضياعها، فمن محاولة تطوير المناهج، إلى تطوير أداء المعلمين، إلى التعامل مع ملف نقل المعلمين، إلى التعامل مع العدد الكبير من المباني المدرسية في مختلف المناطق التي لم يتم بناؤها في الأساس بالطريقة الصحيحة (هذه إن كانت مبنية وليست مستأجرة)، إلى مسألة صيانة هذه المباني وتشغيلها، إلى احتياجات الطلبة الخدمية مثل التغذية والتجهيزات المدرسية والتقنية، واحتياجات النقل المدرسي وغيرها كثير من الملفات المعقدة، وحتى لو افترضنا أن الوزير سيتعامل مع الأولويات، فكلها أولويات، ومع اتساع مساحات المدن والزيادة المطردة في عدد السكان يزداد الطلب على المدارس وتزداد معها الاحتياجات، والخدمات، وتزداد المشكلات ولا تنقص، ويزداد العبء على الميزانية، ويزداد الشق اتساعاً.
لهذا في رأيي يجب أن لا يكون دور الوزارة في المستقبل دوراً تنفيذياً، لأن هذا سيستهلك طاقات الوزارة ويشتت أهدافها، وعليه، المفترض أن تُركز مهام الوزارة في متابعة التعليم وتقييمه، ومن ثم تقويمه، بحيث تصبح جهة منظمة ومشرعة ومن ثم مقومة لواقع التعليم، وبالطبع سيحتاج هذا الأمر إلى بعض الوقت، والانتقال لا بد أن يكون تدريجياً لهذا الهدف، ولهذا فوجود هيئة تقويم التعليم مهمة في هذه الفترة لأداء الأدوار المنشغلة عنها الوزارة، ولكن في المستقبل يجب أن تتكامل الجهود وتُوحد المساعي في الوزارة، لتحقيق الهدف المشترك.
إذاً وبناءً على ماسبق فإن جميع المعطيات تشير إلى وجوب الشراكة مع القطاع الخاص للمساعدة في تقسيم الحمل الكبير لحل المشكلة على المدى البعيد، ولهذا تعمل الوزارة على مبادرات لخصخصة الوظائف والخدمات التعليمية، ولكن هنا يجب أن نتوقف قليلاً إذا أردنا الحديث عن الخصخصة وعن الشراكة مع القطاع الخاص، ويجب أن نفهم ونتفهم الأسس التي يجب أن تُبنى عليها هذه الشراكة، ويجب أن نتأكد أن القطاع الخاص متفهم لحجم المسؤولية، وأنه لديه الرغبة الوطنية في المشاركة، لكي لا تتحول هذه الشراكة إلى «مقاولات» تعليمية، لا تقوم بحل المشكلة إنما تنقلها من الوزارة إلى القطاع الخاص.
فإذا اعتبرنا التعليم الأهلي الخاص مثلاً شريكاً لتحقيق الأهداف، وجزءاً من الخصخصة، فحينها يجب أن نكون حريصين في هذه الشراكة ويجب أن تؤطر بقيود تضمن الجودة لتحقيق الأهداف المشتركة، وهذه القيود يجب أن لا تركز فقط على الجانب التعليمي، إنما تتجاوزه لكافة الأهداف التي تضمن تحقيق المكتسبات المختلفة التي يجب غرسها في أبنائنا، ففي الفترة الماضية ساعد التعليم الأهلي على ضم أعداد كبيرة من الطلبة، مما خفف جزءاً من الضغط على المدارس الحكومية التابعة لوزارة التعليم، ولكن وفي نفس الوقت فإني أرى أن واحدة من أسباب مشكلاتنا في التعليم، هو التعليم الأهلي (وأقصد هنا التعليم الأهلي الربحي الذي يضع أول أولوياته الربح المادي، لأن هذا حتماً سيؤثر على الجودة التربوية والتعليمية بطريقة أو بأخرى)، نعم ربما كان هناك تحسن من ناحية التجهيزات ومن ناحية التركيز على بعض المواد مثل الحاسب واللغة الإنجليزية وإضافة بعض الأنشطة، ولكن من الناحية الأخرى احتمال القصور في الناحية التربوية والانضباطية بشكل عام في هذه المدارس موجود، ولا تعليم دون التزام وانضباط، ولا تعليم دون تربية.
هذا بالإضافة إلى أن غالبية هذه المدارس الأهلية تعتبر منهكة مادياً للأسر وإن كانت رسومها أقل من بعض المدارس الأهلية النوعية التي لا ينتسب إليها إلا طبقات معينة، (وهذه موجودة في غالب الدول، ولديها جودة تعليمية ممتازة وذلك بسبب ارتفاع رسومها الدراسية التي تغطي تكاليفها التشغيلية المرتفعة)، ولكن أنا حديثي دائماً هو عن عامة أبناء الوطن، وعن الأسر التي لا تستطيع تحمل رسوم المدارس الأهلية بمختلف مستوياتها لتحقيق أحلامهم المتمثلة في تعليم أبنائهم أفضل تعليم.
ولهذا فأنا شخصياً من المؤمنين بعدم اقتران الربح بالتعليم، وفي نفس الوقت من المؤمنين بأن الخصخصة والشراكة مع القطاع الخاص ممكن أن يكونا الحل الحقيقي لمشكلات التعليم، ولكن بشرط اتباع نموذج نظام المؤسسات التعليمية «غير الربحية»، والمطبق عالمياً في الدول الأفضل على مستوى التعليم وبطرق مختلفة في التطبيق ولكن متفقة في المبدأ، وإذا تم اتباع هذا النموذج بالطريقة التي تتوافق مع معطياتنا وخصوصيتنا فحينها يمكن تحقيق العدالة التعليمية لأبناء هذا الوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١١) صفحة (٨) بتاريخ (٢٦-٠٢-٢٠١٧)