محمد الرياني

محمد الرياني

يرحم الله تلك الممرضة العربية الفاضلة، ماتت وبقي جرحها، وعندما كانوا يدققون في ظاهر قدمي ويسألونني أقول لهم -رحمها الله- ماتت وبقي جرحها، كنت فتى صغيراً يعشق الكرة، يعشقها ومن فرط عشق الصغار أنهم لا يخبئون أقدامهم في سواتر تقيهم الإصابات فيقودهم هذا اللهو الطفولي إلى التعرض للكسور والجروح، كنا للتوِّ قد بنينا غرفتنا الوحيدة الصغيرة المربعة، والفناء حولها صار ملعبا لأبناء الجيران يتسع لأن يكون ملعباً للكبار، أحضرنا كرة قديمة وبدأنا العراك بركل الكرة حفاة مثل فلاحين يحبون الزرع والتراب، كانت قطعة إسمنتية تختبئ تحت التراب، سلمتُ منها قريباً أو مبتعداً إلى أن حان موعد الإصابة، أردت أن أركل الكرة بقوة تجاه ملعب الخصم فركلت القطعة الخرسانية المندسّة تحت التراب حتى أخرجتها لتخرج الدم والجلد معاً، ذهبتُ للعلاج فاستقبلتني الممرضة العربية بابتسامة الأفاضل لتنظف جرحي وتخيط قدمي وأعود لمضمار الركض فيما بعد، عدتُ ولايزال في قدمي آثار الجرح والخياطة، ماتت فيما بعد تلك الممرضة العطوف، ماتتْ قدم الطفولة، غادر الملعب الفسيح، لم يعد هناك متسع للعب، كبر الصغار، كبرتْ الأقدام، عجزتْ عن ركل الكرة، اكتفتْ بالمشي البطيء، كلُّ صغير سيكبر، وكل كبير سيهرم، والحياة ازدهار وانحسار وذبول، رحم الله الممرضة العربية، ماتت، وكلُّ حيٍّ حتماً سيموت.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٢) صفحة (٨) بتاريخ (٢٧-٠٢-٢٠١٧)