الزبير بادي

الزبير بادي

أراقب مجريات إطلاق «هيئة الترفيه» أعمالها وأنشطتها الفنية والثقافية في المملكة العربية السعودية، ودائماً ما أتساءل كيف ستتولى هذه الهيئة مهامها الثقيلة في ترفيه وتثقيف المجتمع وتنويره بالفنون والمسرح..الخ.
الترويح عن النفوس ضروري ومطلوب لأن القلوب تَكلّ، وإذا كلّت عَمِيَتْ، ولا عتب إطلاقاً على من أراح نفسه بالمباح لتنشط للعبادة، والدعوة وطلب العلم وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونفع المسلمين، وسد حاجاتهم، لذا يحتاج البشر منذ نشأتهم إلى الراحة والتحرر من ضغوط الحياة اليومية.
أرى أن جهود الهيئة ما زالت تطل علينا بخجل وتردد، ولا ألومها في ذلك أمام أعداء الحياة ودعاة الموت، وقد قال فيهم أبو الوفاء علي بن عقيل (أبو الفنون – وهو إمام وعلامة) – رحمه الله- : «ما أدري ما أقول في هؤلاء المتشدقين بما لا يقتضيه شرع، ولا عقل، يقبحون أكثر المباحات، ويبجلون تاركها، حتى تارك النكاح، والعبرة في الشرع إعطاء العقل حقه من التدبر، والتفكر، والاستدلال، والنظر.
وصناعة الترفيه أضحت اليوم عالماً ضخماً بذاته، وهناك أنواع كثيرة من الفنون، ويجب على المسلم أمام هذا التوسع أن يفقه ويسأل ويتأمل فيما هو مباح أو غير مباح في هذا الكم الهائل المتراكم من الألعاب، والتسالي، وأنواع الترفيه، أما أن يتولى «شلة» حماية المجتمع بالتقرير نيابة عنه، وتحريم المباحات خوفاً من المفاسد أو الانحرافات، فهذا غير مقبول من عاقل، وعلى كل فرد وأسرة أن تتحمل نتاج تربيتها وتتابع أبناءها.
الترويح يهذب الشخصية، وينمي العقل ويقرب إلى الحكمة، ولا أرى أحداً حرم نفسه قد أفلح أو نجح، أو حسنت سيرته، ومن ينظر لتاريخ الحضارات كلها لابد أن يجد الترفيه عنصراً أساسياً في تنمية الشخصية والتطور الحضاري فيعكس قيم وشخصية الأمة المنتشرة في ذلك الوقت، كما أن الترفيه يعتبر اليوم حقا أساسيا من حقوق الإنسان بموجب المواثيق العالمية لجمعية حقوق الإنسان.
ولن أغفل هنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (.. ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) وكررها ثلاث مرات، قال العلماء: أي لا يكون الرجل في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور، ففي ساعة الحضور يؤدي حقوق ربه، وفي ساعة الفتور يقضي حق نفسه في البحث.
إن من أعظم الدلائل على عظمة دين الإسلام أن تشريعاته قامت على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة التيسير، ومجافاة العنت والتشديد؛ وهي بذلك تراعي الفطرة البشرية ومتطلباتها، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مزاح مع بعضهم في مواقف كثيرة حملتها الكتب، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال.
وفي رواية المسند ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: «لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وإني أرسلت بالحنيفية السمحة».
ومن السنة كذلك، قول سلمان لأبي الدرداء : “إن لنفسك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه» فأقره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «صدق سلمان» رواه البخاري (1968) والترمذي (2413).
إن الحوار مع التيارات المختلفة هو أفضل الطرق التي تضمن فوز جميع الأطراف، ولا يغني خلاف ذلك عنه، ولذلك أدعو القائمين على «هيئة الترفيه» إلى الخروج أكثر أمام الجمهور، وتوضيح خططها وسياساتها واستخدام كافة الوسائل المتطورة في التواصل مع الجمهور، والاستمرار في ذلك بشكل مكثف ومدروس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٢) صفحة (٨) بتاريخ (٢٧-٠٢-٢٠١٧)