ناصر آل عثمان

أظنها والله أعلم شيءٌ كامنٌ في نفس كل أحد؛ لأن الواقع يقول إن الإرادة تصنع الإنسان وتعْمُرُ الأوطان وهي في الوقت نفسه تدمِّر وتهدم الأوطان والإنسان إن أراد ذلك؛ لأن الإنسان مُخيَّرٌ بإرادته بين أحد المَسلكين تحت مشيئة الله وإرادته، ولهذا قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) الإرادة واردةٌ في كلا الأمرين، وهل يُعسِّر على الإنسان أحدٌ سواه!؟.
قرأت في كتاب «حياة في الإدارة» للقصيبي – رحمه الله – فوجدت أنه بعصاميته لم يتطرق إلى الإرادة ولو على سبيل التعريج مَثَلاً، ذلك لأنه وجد أنه لا إدارة أصلاً دون إرادة، وكيف يُدار شيء أصلاً بلا إرادة! فكان من الفضول أن أضع هذا التعليق «لا إدارة بغير إرادة» على الكتاب في قُصاصةٍ صغيرة؛ لأنني كغيري من العرب الكسالى الاتكاليين الذين يريدون الإدارة دون إرادة، ويريدون نهضة دون تضحية ويريدون تطوراً بلا علم ويريدون رخاءً بلا سابق شِدَّه، وتطول القائمه بما يريده العربي وهو متكئ على أريكته يتابع دوري كورة أو قنوات فضائية!! هذه غيبوبة مازلنا نعاني منها إلى الآن مع الأسف.
في الحقيقة أن الإرادة هي المنطلق لكل حضارة، وهي تنافي الاعتماد على الغير وتوازي الاستفادة منه، بمعنى أنه لا إرادة إلا بالعمل كالآخرين في كل مجال ومن هنا تنطلق الإرادة، فإذا أرادت العائلة أنتجت للمجتمع أبناءً يعمرون البيت والوطن، وإذا أراد المسؤول بإخلاص وأمانته عَمر الوطن وكذلك منهُم دونه، وفي اعتقادي أن الإرادة سلسلة مجتمعية وتكون فرديةً أيضاً، ولنا على سبيل المثال لا الحصر في «مهاتير» ماليزيا و«أردوغان» تركيا عِظةٌ وعبرة، فبإرادتهم الفردية نجحوا في إدارة بلدانهم الفقيرة لتصبح شعوبهم غنيةً كريمةً مؤثره بدافع الإرادة فحسب.
دخل عمر الخطاب – رضي الله عنه – على قوم يتعبَّدون في المسجد ولا يطلبون الرزق، عالةً على جيرانهم، فَنَهَرهُم وقال السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. إذاً السماء لا تمطر تنمية ولا تطوراً ولا صناعة ولا بناء، وسوف يصبح الذهب الأسود بلا قيمة في عصرنا هذا عاجلاً أو آجلاً، فماذا سنفعل؟! ولذلك مع الدين نحتاج إلى إرادةٍ قوية تضخها وسائل الإعلام ومنابر الجوامع والأقلام والأصوات الناصحة بأنه يا وطن : (الإرادة حياة) والسلام.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٣) صفحة (٨) بتاريخ (٢٨-٠٢-٢٠١٧)