قبل أيام زار روحاني المنطقة والتقى بعض قادتها، حيث زار عمان والكويت والتقى القيادة السياسية العليا بالبلاد، إضافة إلى مسؤولين آخرين، تأتي هذه الزيارة كما يرى مراقبون لتهدئة الأوضاع الملتهبة في المنطقة بين إيران ودول الخليج العربي، حيث هناك عديد من الملفات المتشعبة التي تحتاج جهوداً مشتركة من جميع الأطراف.
وقد ذهب بعض المحللين والكتّاب والمثقفين إلى حد التفاؤل الكبير بتلك الزيارة المكوكية للرئيس الإيراني، حيث رأى بعضهم أنها بداية فتح صفحة جديدة مع دول المنطقة وأن إيران جادة في ذلك.
هذه الزيارة لروحاني لعمان والكويت لم تخرج عنها حت الآن أي معلومات تفصيلية تبين نتائجها وفوائدها على دول المنطقة وما تم نقاشه والاتفاق عليه على الرغم من أن الأوضاع من حولنا مازالت تشير إلى أن إيران ماضية في طريقها نحو مشروعها التوسعي لتدمير المنطقة وإشعالها.
هذا الحديث ليس من قبيل المبالغة أو التشاؤم، ولكن الأحداث اليومية تشير بذلك وتؤكده حيث مازال النظام الطائفي (المجرم) في سوريا يمارس أشد أنواع القتل والتشريد وتدمير البلاد وكل هذا يحدث برعاية ومساعدة وتدخل مباشر من روحاني ووكلاء إيران بالمنطقة.
والحال نفسه في اليمن حيث تسعى إيران لإطالة أمد الحرب في اليمن بدعمها المباشر للميليشيات الحوثية والمخلوع صالح لممارسة كافة أشكال الجرائم ضد الإنسانية من قتل وتعذيب وخطف ونهب للثروات وتدمير للبنية التحتية وسرقة لمقدرات الشعب اليمني.
ولا يختلف العراق الشقيق بلاد الرافدين وأرض الحضارة الممتدة عبر التاريخ عن الأوضاع في سوريا واليمن، حيث سعى نظام الملالي في إيران إلى إحكام السيطرة على الدولة العراقية وساعد القوات الأمريكية لغزوه واحتلاله ودخل الإيرانيون بمعية الأمريكان للأرض العراقية منذ سقوط بغداد عام 2003م ومازالت إيران تعيث فساداً وقتلاً وتشريداً وتهجيراً قسرياً بحق المواطنين السنة وتمارس كافة أنواع التطهير العرقي عليهم وعلى كل ما هو عربي وسني بل وإسلامي تحت مرأى ومسمع من العالم الدولي الذي أعطى الضوء الأخضر لنظام إيران ليلعب هذا الدور في المنطقة.
زيارة روحاني لعمان والكويت سبقتها مبادرة خليجية نقلها وزير خارجية الكويت إليه حيث زار طهران والتقى به، لكن روحاني لم يقدم أي مبادرات إيجابية ولا رسائل عملية واضحة تبين تغير الموقف الإيراني تجاه ما يحصل في المنطقة.
الجانب الخليجي التزم الصمت حيال تلك التحركات الأخيرة ولا يعرف حتى الآن الرأي العام الخليجي ما الفوائد والمكاسب التي حققتها الدبلوماسية الخليجية نتيجة تلك التحركات.
النظام الإيراني مارس (التقية السياسية) حيث حاول تسريب رسائل بسيطة ومكررة سمعناها كثيراً لأكثر من ثلاثة عقود منذ تسلمه السلطة بأن زيارة روحاني تأتي في إطار التحرك لتخفيف حدة التوتر والاحتقان بالمنطقة بين دول الخليج العربي وإيران.
شخصياً لست متوقعاً أي تغير في الموقف الإيراني فمن يعرف سياسة ملالي طهران منذ عقود وعلاقتهم بدول المنطقة يدرك جيداً أن ما ينطق به الإيرانيون يعملون خلافه وعكسه والتجربة معهم كانت خير برهان في العقود الماضية.
بلا شك هناك أمور وتفاصيل سرية لا نعلمها تدور في دهاليز السياسة ولكننا على ثقة بأن أي مبادرة أو اتفاق يحاول نظام طهران عقده مع دول الخليج العربي بشكل سري وغير معلن فإن مصيره الفشل، لأن هذا النظام باختصار لا يعمل بالمواثيق وتعود على نقضها والعمل بعكسها.
أقول هذا على الرغم من أراء وتوقعات كثير من المحللين والكتّاب في الخليج بأن التحرك الإيراني الأخير جاء لتهدئة الأوضاع. لكن السؤال المهم هل تهدئة الأوضاع هي أقصى غاية لدول المنطقة.. بالطبع لا.. لأن الأمر أكبر من ذلك فكيف ننسى تدخلات طهران المتواصلة في شؤون دول المنطقة والخلايا النائمة التي تم اكتشافها مؤخراً والأسلحة المهربة من الحرس الثوري وحزب الله ووكلاء إيران.
يفضل بعض الكتّاب التماهي مع التحرك الأخير والتفاؤل لأبعد مدى متخذين من سياسة التعامل بحسن النية مع إيران كما هو الحال مع الدول الأخرى، والحقيقة أن النظام الإيراني لا يمكن التعامل معه وفق هذه السياسة لأن التجارب معه كانت خير برهان.
الزيارة على ما يبدو حتى الآن لم تحقق نتائج واضحة وملموسة ولم تتخذ إيران أي خطوات جادة للتهدئة المزعومة أو تعلن توقف أنشطتها المعادية لدول الخليج العربي والمنطقة العربية بالعموم، إذ مازالت تعمل وفق أجندتها التخريبية وأطماعها التوسعية، لذلك يمكن القول إنها كانت زيارة فاشلة كان يسعى من خلالها الملالي في طهران لتسجيل موقف معين لصالحهم.

ناصر الهزاني
ناصر بن عبد الرحمن بن ناصر الهزاني، سعودي ، باحث في الشؤون الخليجية والعلاقات الدولية ، ماجستير إعلام من كلية… المزيدناصر بن عبد الرحمن بن ناصر الهزاني، سعودي ، باحث في الشؤون الخليجية والعلاقات الدولية ، ماجستير إعلام من كلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض سبق له الكتابة في عدد من الصحف الدولية والسعودية، صدر له كتاب بعنوان " الفتوى في الفضائيات العربية .. دراسة في التعرض والمشاهدة " منشور من دار ابن حزم في بيروت عام 2011م
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٣) صفحة (٨) بتاريخ (٢٨-٠٢-٢٠١٧)