ما بين ضميرين منفصلين «أنا ونحن» يمكن أن يُخلق فارق كبير يتشكل من خلال تجاوز الجسر الأول إلى أولويات الجسر الثاني الذي يقرأ واقع الجماعة، ويعمل على تحقيق نموذج العمل الجماعي والشعور المهم بقيمة الإنسان كثروة تستثمرها كافة الدول في صناعة حاضرها ومستقبلها، ولعل في قراءة «الأنا» التي تحدث عنها الفلاسفة في محاولة لمعرفتها عند فرويد في تحليله النفسي التي جعلها تعبر عن مفهوم الشخصية والجهاز النفسي للإنسان؛ حيث جعل الأنا مركز الشُّعور والإدراك الحسي الخارجي، والداخلي والعمليَّات العقليَّة والإشراف على جهازنا الحركي الإرادي، الذي يتكفَّل بالدِّفاع عن الشخصيَّة، ويعملُ على توافقها مع البيئة وإحداث التكامُل، بينما يقوم الأنا الأعلى بدوره كمستودع المثاليَّات والأخلاقيَّات والضمير والمعايير الاجتماعيَّة والتقاليد والقيم، والصَّواب والخير والحق والعدل والحلال؛ ليكون بمنزلة سُلطة داخليَّة، أو «رقيب نفسي»، بينما أحدثت الجملة الشهيرة لديكارت «أنا أفكر إذن أنا موجود» دوياً كبيراً في أجواء الفلسفة الحديثة، وبغض النظر عن الحوارات الفكرية والفلسفية لكثير من الحكماء والفلاسفة الذين بحثوا في قصه «الأنا» إلا أنها يجب أن لا تطغى لتتحول إلى مفهوم الأنانية أو تجاهل المصالح العامة إلى تكريس مفهوم يجب أن يظل الإنسان في حالة تهرب منه حتى لا يكون أسيرا لسيطرته، ولذلك كرس هؤلاء الحكماء في توجيه أفكارهم نحو رفع معدل جينات الإنسانية التي يجب أن تطغى على كافة المشاعر الأنانية في التفكير والمشاعر التي يحكمها الضمير، ومحاولة إيقاف تضخم «الأنا» الذي صار ينمو في مجتمعاتنا بكثرة في حالة البحث عن كافة مغريات الحياة والحصول على الكماليات قبل الضروريات في حالة تتزايد يوما بعد يوم لقصص يقوم فيها الإنسان بتعميم فكرة «أنا ومن بعدي الطوفان» في حالة تجاهل للقيم والمبادئ الإنسانية في سبيل تحقيق طموحات ذاتية، وقد لا تستغرب عند قراءة كثير من قصص الأنانية التي لم تقف عند حدود هذه الكلمة، وإنما تجاوزتها إلى محاولة الطغيان على الآخر ودعسه تحت عجلات هذا المعنى الذي أخذ كثيرين إلى مناطق غير آهلة بالسكان أقفرت بهم وحدهم بعد أن ظنوا أنهم قد حققوا هذا العنصر لدعم مصالحهم الشخصية على حساب كافة المعاني الإنسانية، فعندما تتأمل الثلاثة حروف التي تشكل مفهوم «أنا/ نحن» ترى أن عدد الحروف متماثل، بينما يكبر الفارق عندما يقف الإنسان في نهاية المطاف على مفترق الطريق ليسأل نفسه سؤاله الأخير عن منجز حقيقي استطاع أن يقدمه لمجتمعه لأن هذا المنجز «نحن» يعتبر هو القيمة الحقيقية لحياته وما يحقق سعادته من دوره في مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم، فليس من الضروري تعكير مياه الآخرين لتصفو ماؤك، فالتعامل الإنساني هو فطرة فطرنا الله عليها تقوم على التعاون، هذه النظرة التي يمكن أن تعمر العالم بجمال الأنا وقبح الأنانيين، يقول الشيخ سلمان العودة إن الأنا الطاغية تبدأ بأنا وتنتهي بمن أنتم، كما يقول نيتشة «كلما أصعد كان يتبعني كلب اسمه أنا».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٣-٢٠١٧)