د. أرسلان عابد

د. أرسلان عابد

لدينا في المملكة حالة مختلفة وغريبة نوعاً ما عن باقي الدول الأكثر تقدماً في التعليم، فهذه الدول تحرص بشكل كبير على مرحلة التعليم العام، ولا تتهاون فيها، لذلك نرى أنها تتبع نظام التعليم الحكومي بشكل أساسي في التعليم العام، وإن ظهرت في الفترات الأخيرة أنظمة مكملة، تعتمد في المبدأ على التعليم غير الربحي، (Non-Profit) لضمان عدم تأثر الجودة التعليمية، فمن نظام «الامتيازات» التعليمية (Charter) في الولايات المتحدة (وبها نسبة قليلة جداً تعتمد النظام الربحي)، إلى نظام «الأكاديميات» (Academies) في المملكة المتحدة، إلى نظام التعليم «المستقل» (Independent) في السويد وفي كوريا الجنوبية، فجميعها تتفق على مبدأ الجودة التعليمية أولاً، وتعتمد بشكل أساسي على المخصصات الحكومية كميزانيات تشغيلية، وفي نفس الوقت تتمتع هذه المدارس بالمرونة في التشغيل التعليمي، والمختلف في أحيان كثيرة عما يقدم في المدارس الحكومية، ولديهم مناهج مختلفة وفق احتياجات وأهداف معينة لتحقيق الجودة التعليمية وفق خططهم.
أما فيما يخص مرحلة التعليم العالي فإن هذه الدول مرنة وبشكل أكبر مع مؤسسات التعليم الربحي (For-Profit) في هذه المرحلة، وإن كانت أغلب الدراسات أثبتت (في الولايات المتحدة كمثال) أن النظام الربحي لم ينجح في تقديم مستوى تعليمي متميز في هذه الجامعات والكليات ولم تستطع بتاتاً مقارعة الجامعات الحكومية والخاصة التي تعتمد النظام غير الربحي (مثال ذلك جامعة هارڤرد التي لديها نموذج فريد ومتميز ويحتاج لمقالة منفصلة لشرح النموذج المتبع لديهم).
وبالمقابل فإن ما كان يحدث لدينا منذ عقود هو العكس، إذ كان هناك اعتماد كبير على التعليم الأهلي الربحي في التعليم العام، وكان التشدد في الاعتماد على التعليم الحكومي في مرحلة التعليم العالي، إلى أن دخل نظام التعليم الربحي في الجامعات أيضاً إلى الساحة في العقد الأخير، وسبق وأن ذكرت أني ضد التعليم الربحي الذي يضع أول أولوياته الربح المادي، وإن كان ولا بد منه، فيجب أن يتبع ضوابط كثيرة ولا تنحصر فقط في تقديم الخدمة التعليمية، وهذه الضوابط تكون بشكل أدعى في مرحلة التعليم العام.
وما حدث أن تواضع تقديم الخدمة التعليمية في المدارس الحكومية في العقود الماضية أوصلنا إلى قناعة بأن المدارس الأهلية هي الحل لمن أراد المستقبل الأفضل لأبنائه، وأصبح حصول الأبناء على تعليم متميز يكون غالباً مرتبطاً بالحالة المادية لآبائهم وأسرهم، ومثال بسيط على ذلك هو ما يحدث في السنوات التحضيرية بالجامعات، ففي حين يعتبرها بعض الطلاب القادمين من مدارس خاصة تعتني باللغة الإنجليزية فرصة للحصول على معدل عال، وبالتالي القبول في الكليات النوعية، يعتبرها آخرون قادمون من مدارس حكومية أنها سنة «تعجيزية» بسبب معاناتهم الكبيرة مع هذه اللغة وكأنهم يدرسونها لأول مرة، وفي رأيي، هذه هي قمة عدم العدالة.
إذاً العدالة التعليمية تعني العدل في تقديم الخدمة التعليمية بغض النظر عن الوضع المادي والمكان، بمعنى أن لأيٍّ كان، الحق في الحصول على الخدمة التعليمية المتميزة، غنياً كان أو فقيراً، سواءً كان يقطن العاصمة، أو أي مدينة أو قرية في بلدنا الحبيب، شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، والحصول على نفس مستوى الخدمة التعليمية داخل أي مدينة وقرية، بمختلف أحيائها ومناطقها، غنيّها، وأقلها دخلاً..
ولن يكون ذلك إلا بإنشاء مدرسة نموذجية في كل حي، بحيث تكون مجانية أو برسوم رمزية فقط للإحساس بمسؤولية التعلم، وبحيث تحقق جميع هذه المدارس بمختلف أحيائها وقراها ومدنها جودة تعليمية واحدة قدر الإمكان، ولا تقل عن الحد الأدنى لمعايير الجودة وفق متطلبات الوزارة، وستكون كل مدرسة مخصصة للحي السكني، وحينها لن يضطر الآباء والأهالي إلى إرسال أبنائهم إلى المدارس الأبعد، وسيوفر ذلك الوقت والجهد والمال وبشكل أهم سلامة أبنائنا من مشاوير الطرقات، وسيكون لذلك انعاكاسات مهمة، اجتماعية واقتصادية، أقلها تخفيف الزحام في الطرق بشكل كبير جداً، وأهمها سلامة أبنائنا الجسدية والنفسية.
والسؤال هل يمكن تحقيق ذلك؟ وهل من المفترض أن تقوم الوزارة بكل ذلك؟ وهل من المفترض أن تتحمل ميزانية الدولة كافة الأعباء؟.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٧) صفحة (٨) بتاريخ (٠٤-٠٣-٢٠١٧)