كنتُ أتابع في الوثائقيَّة الفضائيَّة برنامجاً عن بحث الإنسان عن مظاهرَ للحياة في الكواكب التي مكَّنته مخترعاته وعلمه من وصولها أو إرسالِ مركباته الفضائيَّة لدراستها عن بعدٍ أو بنزولها على سطوحها، وقد شاركتني ابنتي وفاقٌ أمُّ سليمان متابعتي تلك، وما أن انتهى ذلك البرنامجُ العلميُّ الوثائقيُّ إلَّا وفاجأتني بتساؤلها عمَّا إذا كانت توجد حياةٌ في تلك الكواكب أو الأجرام السماويَّة، ففتحتْ بذلك حواراً علميّاً فكريّاً عقائديّاً لامسَ خواطر إيمانيَّة طالما حدَّثتني نفسي بها، فحاورتُ ابنتي في ذلكَ مستمعاً لما لديها عن ذلك… 

كنتُ أتابع في الوثائقيَّة الفضائيَّة برنامجاً عن بحث الإنسان عن مظاهرَ للحياة في الكواكب التي مكَّنته مخترعاته وعلمه من وصولها أو إرسالِ مركباته الفضائيَّة لدراستها عن بعدٍ أو بنزولها على سطوحها، وقد شاركتني ابنتي وفاقٌ أمُّ سليمان متابعتي تلك، وما أن انتهى ذلك البرنامجُ العلميُّ الوثائقيُّ إلَّا وفاجأتني بتساؤلها عمَّا إذا كانت توجد حياةٌ في تلك الكواكب أو الأجرام السماويَّة، ففتحتْ بذلك حواراً علميّاً فكريّاً عقائديّاً لامسَ خواطر إيمانيَّة طالما حدَّثتني نفسي بها، فحاورتُ ابنتي في ذلكَ مستمعاً لما لديها عن ذلك.
وما أن انتهى حواري مع ابنتي إلَّا وقد وجدتُ في نفسي رغبةً ملحَّةً في التعمُّق في ذلك تفكيراً وتحليلاً واستنتاجاً، فبرزتْ خطوطٌ عريضة لذلك حفزتني على أن أدوِّنَها أفكاراً لمقالةٍ عسى أن أجد من قرَّاء صحيفة الشرق مَنْ يشاركونني فيها أو يقوِّمونها ويضيفون عليها، فإن لم يتسنَّ شيءٌ من ذلك فليعدُّوها تدريباً عقليّاً فكريّاً انقياداً واستجابةً من الكاتب لقوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، آل عمران، آية 191-190.
وانطلاقاً من قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، سورة الذاريات، آية 56، ففي هذه الآية كشفَ سبحانه وتعالى لنا سبب خلقه الخلقَ وهو عبادته تعالى وهذا فهمٌ مباشر للآية، ولكنَّ الفهمَ الأعمق هو أنَّه تعالى خلق في كوكب الأرض خلقين هما الجنُّ والإنس يتساويان أمام تكليفه تعالى في عبادته بشريعةٍ واحدة هي الإسلام لا تختلف تكاليفهما عن بعضهما كما تبيَّنا ذلك بكتابه وسنَّة رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام، وهذا يعني أن الجنّ يساوون الإنس بما أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم من نعم خلقيَّة وإداركيَّة تتناسب مع تكليفهم بعبادته.
فلو تساءلتُ ماذا يعرف الإنسانُ عن الجنِّ غير هذا العام؟!! وغير ما ورد عنهم في القرآن الكريم وفي سنَّة المصطفى عليه الصَّلاة والسَّلام، أيعرف عنهم مظاهر حياتهم من دولٍ وحضاراتٍ ومنجزاتٍ وعمران وعلم وصناعة وصحَّة ومرض وغيرها؟! بل هل يراها أو يرى الجنَّ بهيئاتهم وأشكالهم؟!! ستكون الإجابات بالنفي لا يعلم عنهم شيئاً من ذلك، ولا يراهم ولا يرى آثارهم ومنجزاتهم، علماً بأنَّهم يشاركونه كوكبَ الأرض، بل وتشاركه فيها حيوانات ونباتات وغيرها من مخلوقاته تعالى ولا يعلم عن حياتها إلاَّ القليل، فهل يستغرب الإنسانُ إذاً وجودَ خلق آخر في الأجرام السماويَّة الأخرى تختلف عمَّا عهده عن حياته في كوكب الأرض، فحياةُ الجنِّ المخفيَّة عنه وحياة النبات والحيوان غير معروفة تماماً له تجعله غير قادر على أن يتحقَّق من ذلك بأدواته التي منحه الله تعالى إيَّاها، ولكنَّه لا يستطيع إنكارَها لمجرّد أنَّه غير قادر على التحقُّق منها وفق معاييره ومقاييسه البشريَّة.
قال تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، ‏سورة المؤمنون، آية 115، يخاطب تعالى خلقَه من الجنِّ والإنس المبعوث بهم المصطفى عليه الصلاة والسلام بكتابه المشرِّع لهداه بعبادته سبحانه وتعالى، فلا عبثيَّة في ذلك ما بين خلقه لهم إلى رجوعهم إليه؛ ممَّا يعني أنَّه سبحانه وتعالى ما خلق الكواكب والأجرام السماويَّة عابثاً، وأنَّها ومخلوقاته فيها سترجع إليه لمحاسبتها في ضوء شرائعها المنزَّلة عليها هدى لعبادته.
إذاً في كلِّ كوكبٍ وجرمٍ سماويٍّ خَلْقٌ خُلِقَ لعباداته سبحانه وتعالى وسيرجعون إليه لمحاسبتهم، وأنَّ الإنسان كأحد مخلوقاته لا يحيط علماً بالحياة فيها فمعايير حياته ومقاييسها لا تنطبق على ما عداها من خَلْقٍ وحياة، فسبحانه وتعالى قال:{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}، ‏سورة الإسراء‏، آية 85، فإذا لم يستطع البشر معرفة الروح وهي ما أودعه الخالق سبحانه وتعالى فيهم ليحيوا ويقبضها منهم ليموتوا، فلن يعرفوا عن مخلوقاته الأخرى وحياتهم في الأجرام السَّماويَّة الأخرى فهي من أمره سبحانه وتعالى الذي ما آتاهم من علمه إلَّا قليلاً، فكيف إذاً ينفي الإنسانُ وجود مخلوقاتٍ أخرى وحيوات أخرى لها لمجرَّد أنَّ معايير حياته ومقاييسها لا تنطبق عليها؟!!
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، سورة لقمان، آية 27، فكلماتُه تعالى تشير لخلقه ولشرائعه؛ إذْ قال تعالى{إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}، سورة آل عمران، آية 45، فقد خلقه من غير أبٍ كما اعتاد البشر خلقَهم، أوليس من خلقه بقادرٍ على أن يخلق في الكواكب والأجرام السماويَّة مخلوقاتٍ لعبادته يحيون بين خلقهم إلى رجوعهم إليه حيواتٍ دون أن يعرفها البشر الباحثون فيها عنها وفق معاييرهم ومقاييسهم البشريَّة، فسبحانه القائل:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}، سورة الإسراء، آية 44، فالسَّموات والأرض ومن فيهنَّ ممَّا لدى الجنِّ والإنس علم به من شريعتهم، وما لا يعلمونه بقوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}؛ ممَّا يعني أنَّكم لا تعرفونهم ولا أين يكونون ولا كنه حيواتهم التي أودعها الله فيهم فسبحانه القادر على ذلك، الخالق الأرض لخلقه من الإنس والجنِّ أصلحَ من غيرها.

عبدالرحمن الواصل
اختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر،… المزيداختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر، نشرت له ثلاث مجموعات شعرية، يكتب أدب الطفل والمسرحية الشعرية.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٨) صفحة (١١) بتاريخ (٠٥-٠٣-٢٠١٧)