مشعل أبا الودع الحربي

مشعل أبا الودع الحربي

القضية منطقية تحرير الكويت وتعليلها بديهي ولا يحتاج إلى تفكير في ذكرى عابرة تجاوزت قرابة الثلاثين عاماً حفرت في أذهاننا صوراً لا يمكن أن تنتزع ويفترض أن لا تنزل لأنها دروسنا للمستقبل نحن الخليجيين. في الثامن من أغسطس داست الدبابات العراقية اتفاقيات الجامعة العربية ومجلس الأمن وأسقطت علم دولة رفعتها في بغداد وفي أقل من عام رفعت أعلام الاستسلام للعراق في مخيم صفوان بعد الحرب بمائة ساعة وإخراج القوات العراقية بإزالة الكابوس الذي خيم على الكويت طيلة سبعة أشهر منها أربعة أشهر حرم الله فيها القتال، ولكن ابتلي العالم العربي بزعماء قوميين، فصدام أراد تحرير القدس فاحتل الكويت، وحافظ الأسد أراد تحرير الجولان فاحتل لبنان وخرج منها بعد قتل الحريري بأيدي مخابراته تحت شعار طنان من حزب البعث (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) في هذه الأزمة كان المعتدي عربياً والمحتل بلداً عربياً لم يقصر طيلة حرب العراق ومغامراته في حرب إيران، والغريب في الأمر أن هناك أطرافاً عربية باركت الاحتلال، وبعضها لديه تحفظ وبعضها حرض على العدوان وصوت لصالحه، ومن الصور الرديئة التي ما زالت عالقة بذهني أبواق باركت وتدعو لإبقاء الاحتلال وتضفي عليه الشرعية واعتبروا احتلال الكويت تحريراً لفلسطين وتشريد أهل الكويت توحيداً للأمة العربية وسموا قتلهم أثناء الاحتلال حرباً على الكفار،وادعوا أن إشعال النيران في آبار النفط توزيع للثروة العربية، في تلك الأزمة عرف الصديق من العدو، فهناك من هب رافضاً الابتزاز ولغة التهديد ووقف إلى جانب المواثيق والمعاهدات التي وقعت واعتبرت أن أمر إعادة الشرعية أمر مقدس شاء من شاء أو أبى من أبى، ولا يقبل أن تنتهك دولة الكويت، وهناك من أنكر العلاقة ومواقف الكويت مع الأمة قبل الاحتلال ورفض المشروعية واستباح الظلم وناصر المعتدي مقابل وعود (مادية) وتحالفات سياسية.
في أزمة الكويت تعرت مصطلحات طالما استخدمت براقة لأغراض كاذبة مثل الأخوة والمصير والدم والدين ومقدرات الشعوب، كنت أبحث عنها فلم أجدها حتى في القاموس اللغوي لأصحاب الخطب الرنانة والعاملين على تهييج الشوارع العربية ومن يختمون مقولتهم بالآية “وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”، لا أدري ما يراد بالاستدلال بهذه الآية الكريمة، استخدمت هذه لمسح دولة من على الخريطة. الكويتيون رغم أن التجربة مريرة وقفوا وقفة شجاعة والتفوا حول قيادتهم وفتحت السعودية بوابة الدخول على مصراعيها لهم واستخدمت أراضيها لمسرح العمليات للتحرير ووقفت بجيشها الباسل مع الأشقاء، وعلى الرغم من أن قبل بداية الحرب طالبت السعودية عبر المنظمات بالانسحاب من الكويت حفاظاً على جيش العراق إلا أن قادة العراق رفضوا هذه المطالب وتم التحرير في أقل من ثلاثة أيام بعملية أطلق عليها المحللون العسكريون حرب المائة ساعة. من خلال هذه الحرب والأحداث نبتت على أرضنا أكثر واقعية في التعامل مع الأشياء على حقيقتها، لا نتحدث عن ماضٍ ونتبعه بمقولة أحداث سلف عليها الزمن، فالمعتصم اسم ضخم في تاريخ العروبة والإسلام لكننا نكتفي بموقفه في فتح عمورية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩١٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٥-٠٣-٢٠١٧)