إن كانت أغنية نجاة علي «سلم على قلبي» تصلح للمزج بينها وبين قصة العمة صاحبة البيت الريفي بسهولة؛ فإن القصة التالية ستصيبك بالذهول عندما تقرأ مغامرة في الصعيد عاصرها الفتى وهو يرى حادثة ثأر قبلي تشتعل بين أسرتين وأن المطلوب للثأر هو عم الفتى المراهق

بينما تجري الحياة… ثمة أغنية ما تدور في الخلفية.
بينما تدور أغنية ما.. ثمة حياة تجري في الخلفية!
بهذه الجملة المختصرة يفتتح عمر طاهر كتابه الأخير «إذاعة الأغاني»، الذي أضاف له عنواناً فرعياً صغيراً سماه «سيرة شخصية للغناء» في محاولة لتفسير شكل النصوص التي يحتويها الكتاب، ومزج فيها ببراعة بين قصص وأحداث وذكريات مرت به وبين أغانٍ رافقت وقت تلك الذكريات فامتزجت بها، وأصبح من الصعب الفصل بينهما أو معرفة إن كانت الأغنية تستحضر الذكرى أو أنها هي التي صنعتها بالفعل.
بأسلوبه البسيط والحميم يمزج لك أصنافاً ومقادير لا يمكن أن تتخيل أنها قابلة للجمع في نص واحد، لكنه يقنعك أنها كذلك، وأن تلك الأغاني لا يمكن أن تكون أكثر ارتباطاً بحدث من ذلك الذي يرويه لك ويستطيع أن يقنعك به، فتخرج وقد أحببت القصة والأغنية معاً حتى لو لم تكن قد سمعت عنها قط. فبين بيت عمة صديقه السوري التي تسكن في أعالي الريف، وتعتزل الناس وتقوم بتربية العصافير وإنتاج العسل والجبن والمكدوس، واستضافتهم ليومين في منزلها، وسمع في فناء المنزل أغنية حميمة لمطربة لم يسمع بها من قبل اسمها «نجاة علي»، لكن شجن صوتها ارتبط لديه بشخصية العمة الودودة والمشاكسة، التي روت له قصة امتناعها عن الزواج، وأنها ندمت على ذلك القرار فعلقت على جدار المنزل «بردعة» حمار مزخرفة كي تذكرها بخيبتها الثقيلة، ونصيحتها له بأن يتزوج ولا يصبح مثلها، وكيف كانت تسأله كلما كلمها بالهاتف من مصر هل تزوجت فيجيبها بظرافة «لسه حمار»!.
كانت نجاة علي «صاحبة الأغنية» فنانة على أعتاب المجد في ذات زمن أم كلثوم وعبدالوهاب، وعلى عكس العمة السورية فقد قررت الزواج واعتزلت الفن في بدايات مجدها، وعندما فشلت تجربة زواجها عادت للغناء وتزوجت ثانية لكنها تعرضت لأزمة صحية حرمتها من الاستمرار في الغناء حتى التقت صدفة بحبيبها القديم وهو على فراش الموت، فزارته زيارة مودع.
وإن كانت أغنية نجاة علي «سلم على قلبي» تصلح للمزج بينها وبين قصة العمة صاحبة البيت الريفي بسهولة فإن القصة التالية ستصيبك بالذهول عندما تقرأ مغامرة في الصعيد عاصرها الفتى وهو يرى حادثة ثأر قبلي تشتعل بين أسرتين وأن المطلوب للثأر هو عم الفتى المراهق، الذي قام بتخبئة سيارة عمه عن الأعين المترصدة له، وكانت مهمته هي أن يقوم بتشغيلها بين فترة وأخرى كي لا تتلف بطاريتها؛ فيكتشف بالصدفة شريطاً لمطرب مجهول يغني أغنية «ديسكو دانسر» الهندية، وكيف حُفِرت تلك الألحان الغريبة والكلمات التي لا يفهم منها حرفاً في ذهن الفتى الصغير وهو قابع في الظلام داخل سيارة عمه وحريص على أن لا يعلو الصوت أكثر فتفشل المهمة الحساسة التي وكل بها. وكيف أن حادثة الثأر انتهت بعد أن مرض عمه، وتم بتر قدمه نتيجة إصابته بالسكري، وأن أبناء القبيلة الأخرى تنازلوا عن ثأرهم وزاروه في المستشفى التي مات فيها بعدها بأيام. عاد بعد سنوات طويلة ليبحث عن الأغنية في متاهات الإنترنت حتى وجدها ووجد ترجمة لمعانيها وتفاجأ بأنها معانٍ سامية تتحدث عن أنه لا فرق بين الأبيض والأسمر ولا بين البشر جميعاً، كأنها كانت تتحدث عن قصة الثأر القديمة بمحض الصدفة!.
في الكتاب كثير من القصص الحميمة التي امتزجت بالأغاني؛ حيث يتحدث عن بيت العائلة الكبير وولع خاله بأغاني عدوية، وكيف عرفه لأول مرة بأنه مغنٍ شعبي يختلف عن الآخرين، وكيف ارتبط صوته وبحته الحزينة في أغنية «راحو الحبايب» بمرض جدته ووفاتها، وكيف ذكرته أغنية محمد فؤاد الجديدة وقتها بقصة صديقه مع الإدمان التي رواها له وهما في الطريق الصحراوي ويستمعان لذات الأغنية، وبالطبع هناك فصل كامل لأم كلثوم وآخر لعبدالحليم، ولكن القصة العجيبة والمثيرة هي قصة الفتى مع مطرب وملحن من الجنسية الليبية غير معروف لمعظم الناس اسمه أحمد فكرون، وكيف أصبحت ألحانه الغريبة والمختلفة ملهمة لأحلام الفتى الصغير الذي لا يعرف حتى اليوم كيف وقع في يده ذلك الشريط، ولا يعرف حتى اليوم أين اختفى أحمد فكرون نفسه بعد أن حاربه القذافي عندما فشل في تجنيده ضمن حاشيته.
عمر طاهر ينضج، يضيف سنوات إلى عمره ويضيف كذلك مساحات واسعة إلى نطاق موهبته في الكتابة، لم يعد عمر طاهر مجرد كاتب ساخر يلتقط اللمحة الساخرة ببراعة من كومة الأحداث، بل أصبح إضافة إلى ذلك كاتباً ذا نظرة شاملة للحياة، نظرة لا تخلو من عمق وفلسفة وجاذبية وخفة دم في ذات الوقت. أصبح كاتباً محترفاً يعرف بالضبط مقادير الكلمات وما يناسبها من أفكار وجمل. وستستشعر ذلك وأنت تتذوق ألحان الأغاني بين دفتي هذا الكتاب!

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٢١) صفحة (٨) بتاريخ (٠٨-٠٣-٢٠١٧)