محمد الناهسي

محمد الناهسي

هنيئاً لمن يُحسن المعايشة في وسط مجتمع مملوء بالتناقضات والتحديات والمبالغات، مجتمع فيه تتلاطم أمواج المقاصد والرؤى، فيتماسك العاقل رغم قوة تيارات الانتقادات التي لا بد منها، مهما قال أو فعل!، ويصنع مساراً قوياً متزناً لنفسه يعرف فيه حق رب العباد سبحانه ثم حق نفسه والناس، ويتمسك بمبدأ الإنصاف الصادق ما بينه وبين ربه لا يرجو منه عطايا الثناء البشري، إذا لزم هذا المبدأ وانطلق فلا يتردد ولا تتزعزع ثقته، وحتماً سيكون عنصراً إيجابياً في مجتمعه حتى في صمته، ومما يجعل الأمن الاجتماعي مستقراً في أي عائلة أو بيئة معينة، هو تفادي أي معكرات لصفاء أمن ذلك المجتمع؛ ومحاولة علاجه إما بالتجاهل والتغافل أو العلاج المباشر حسبما يقتضيه الموقف، ومما أثار إعجاب العقلاء في بعض الشخصيات الاجتماعية الذكية عدة أمثلة منها: • أن من يُحسن الظن ويقلّل العتاب يعيش بأمان نفسي، وهذا لا يعني البلاهة وانعدام التفَطُّن لما يجري حوله! الإنصاف عند الاختلاف: فطباع العقلاء لا تسمح لهم بأن يعمموا العتب أو الغضب على كل أقارب المقصود، فلو اختلف مع فلان لا يمكن أن يتشفّى في أي فرد من أقاربه ويعمم الحُكم لأجل شخص واحد، وهذه نقطة مهمة جداً في مسألة أداب الاختلاف والحذر من الظلم.يترفّع الفطن العاقل من أن يُقلل من حجم أي مخلوق يختلف معه سواءً بالتلميح أو التصريح؛ لأن مغبة هذا الفعل مؤلمة وسيذوق حتماً ما أذاق غيره؛ لأن ديون التعاملات سرعان ما تُقضى! هكذا قانون الحياة!. من الطبيعي جداً أن يجد الإنسان في مجتمعه مختلف القُدرات والطموحات والفهم والمعرفة؛ لذا تجد الحريص على أمن نفسه ونفوس مجتمعه يحترم الجميع ولا يرى نفسه فوق أحد مهما تميّز؛ فليس له فضل! بل وفقه الله لفعل الأسباب ثم سخّره سبحانه، حيث شاء، لهذا فإن الممتلئ فهماً وحكمةً وعلماً وتربيةً يجتهد ليخدم لا ليُخدم ويستخدم! • من طبيعة الحياة أن الأمن لا يدوم وكذلك الخوف لا يستمر، لذا لا تُصدق حديث نفسك بأن المسؤول الفلاني والغني الفلاني والمؤلف الفلاني وصاحب المال والجاه الفلاني يعيش في بحبوحةٍ من الترف والسعادة ولا يعرف الهم، كلما كبُرَ مقام الفرد تنوعت همومه، وكَبُرَت مشكلاته؛ ولكن يبقى إخفاء ذلك ومعايشته فناً يتقنه من مكّنه الله وأعانه.
• أخيراً: تذكر قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) فما بالك ببعض قوانين المجتمع التي تحمل الغث والسمين.. افعل ما باستطاعتك وفوّض أمرك لله، واحذر أن يستفزك شقي أو يُشغلك جاهل فيما لا فائدة منه أو تضع نفسك فيما لا تستطيع تلبيةً لرغبة الذات، بهذه السلوكيات الإيجابية يتحقق الأمن الاجتماعي وتقل النزاعات التي بدورها تحرم المجتمع من النهوض والنجاح، ومصداق ذلك قوله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٢٤) صفحة (٨) بتاريخ (١١-٠٣-٢٠١٧)