د. أرسلان عابد  - جامعة الملك سعود

د. أرسلان عابد – جامعة الملك سعود

لن أتحدث عن تعريف المؤسسات غير الربحية وفرقها عن المؤسسات الخيرية، وفرقهما عن المؤسسات والشركات الربحية، فقد تحدث عنها كثيرون، ولكن أود أن أؤكد على توجه المملكة للاهتمام بهذا القطاع، وذلك متمثلاً في ثنايا رؤية 2030 بالاهتمام بالقطاع التنموي الثالث وهو القطاع غير الربحي ليكون قطاعاً تنموياً ومستداماً بتكامله مع القطاعين الحكومي والخاص لتحقيق أهداف التنمية في المجتمع.
وأود التنويه إلى الجهود المتميزة لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بعقدها لورش عمل مستمرة للتعريف بالقطاع غير الربحي، وبالشراكة مع المؤسسات الخيرية وغيرها من الجهات، وذلك بالاطلاع على أفضل الممارسات العالمية والنظريات والتجارب المتعلقة بها، وإيضاح معالي مدير الجامعة بأن الدول المتقدمة سبقتنا في آليات وأدوات إدارة هذا القطاع، ولكن الفكرة والممارسة إسلامية أصيلة، وهذا هو جوهر الموضوع فكلنا نعلم دور الأوقاف في تاريخنا الإسلامي وما ساهمت به عبر السنين وما زالت، فالأوقاف هي تلخيص للعمل الخيري، المستدام، وهذا لا يعني عدم تحقيق الأرباح، إنما توجيه الأرباح إلى توسيع قاعدة العمل الخيري وتنميته، ووفق ما تم الوقف له، وهذه هي معادلة المؤسسات غير الربحية التنموية المستدامة. إضافةً إلى مبادرة وزارة التجارة والاستثمار المهمة ممثلةً بوزيرها السابق معالي الدكتور توفيق الربيعة بتقديمه لمشروع نظام الشركات غير الربحية، ولا أعلم إن تم اعتماده أم لا، ولكن الأكيد أن المشروع يُعد تنظيماً مهماً ينقل العمل الخيري وغير الربحي إلى مستوى التطبيق الفعلي الذي يهدف إلى تطوير البيئة النظامية لهذا القطاع، وهذا بالطبع سيساعد الجهات الحيوية مثل التعليم والصحة على تحقيق أهدافها بخصخصة خدماتها بمشاركة القطاع الخاص، غير الربحي، وإذا تمت الشراكة بين وزارة التعليم وهذا القطاع، بحيث تنتقل الأدوار التشغيلية والتنفيذية إليه، فإن ذلك سيتيح للوزارة التفرغ إلى الأمر الأهم وهو متابعة التعليم وتقييمه، ومن ثم تقويمه، بحيث تصبح جهة منظمة ومشِّرعة ومن ثم مقومة لواقع التعليم.
إذاً الحل يكمن في خصخصة العملية التعليمية عبر القطاع غير الربحي الذي يهدف إلى تجويد العملية التعليمية وتطويرها لتحسين المخرجات، وفق آليات واضحة من الحوكمة والشفافية، بحيث يكون هذا القطاع محاسباً من قبل الوزارة وبناءً على المخرجات، ومؤشرات قياس الأداء، كما يكون محاسباً من قبل الرأي العام المتمثل بأولياء الأمور والأهالي، وهذا يضع هذه الشركات التعليمية غير الربحية تحت الضغط لتحقيق الأداء الأفضل لتعليم أبنائنا، وفق أهداف الوزارة ومعاييرها، والحديث هنا عن التعليم العام، لأنها المرحلة الأهم التي تحتاج إلى العمل الأكبر، وعليه، يجب التفريق هنا بين التعليم العام والعالي، إذ إن المفترض وحسب توجهات الوزارة أن يتمتع التعليم العالي باستقلالية أكبر في الإدارة والتشغيل، بالإضافة إلى أن تحول الجامعات الحكومية إلى جامعات غير ربحية تكون باتباع طرق مختلفة نوعاً ما وذلك بناءً على ميزانياتها ومواردها، بينما خصخصة التعليم العام يفترض أن يتبع نموذجاً مختلفاً ويجب التعامل معه بحرص أكبر وبقيود أدق للتأكد من تحقيق العدالة التعليمية. وبالنظر إلى الأعداد الكبيرة للطلبة، فيجب أن تُنشأ كيانات وتحالفات كبرى تنبع منها هذه الشركات التعليمية، وهذا بالطبع تحدٍ كبير بالنظر إلى حداثة هذا النموذج لدينا، ولكن دائماً ما تكون البدايات بالتدريج، ولكن وفي نفس الوقت فالثقة كبيرة بأن الموارد اللازمة موجودة لدينا، فالطاقات المتميزة لإدارة هذه الشركات متوفرة، كما أن أصحاب الخير ذوي الخبرات الكبيرة في المؤسسات الخيرية وغير الربحية هم على أتم الاستعداد لخدمة الوطن، ولكن ينقصنا التنظيم المتكامل لهذه الموارد، وعليه، ربما تكون البداية بإنشاء هيئة لتنظيم قطاع التعليم العام غير الربحي بحيث تضع الأنظمة واللوائح التي بناءً عليها تُعطي الوزارة امتيازات التشغيل التعليمي لهذه الشركات التعليمية غير الربحية، وتقوم هذه الهيئة وبإشراف الوزارة بمتابعة أداء هذه الشركات وتقييم عملها بناءً على المعايير والاشتراطات، وربما تتحول هيئة تقويم التعليم لهذا الدور في المستقبل.
إذاً يكون الهدف هو أن تتخلص الوزارة من المسؤوليات التشغيلية والتنفيذية ونقلها إلى القطاع الخاص غير الربحي، فبالنسبة إلى البيئة التعليمية فلن يكون دور الوزارة بناء المدارس وتشغيلها وصيانتها، إنما الاكتفاء بوضع المعايير وربما نماذج للتصاميم وتقوم الشركات التعليمية بالبناء والتشغيل والصيانة، وبحيث تكون هذه النماذج متميزة من ناحية التصميم والمرافق، لتحقق بيئة محفزة على التعلم ومحفزة على المكوث بها دون الإحساس بالملل من قبل الطلبة، كما سيكون من مسؤولية هذه المدارس نقل الطلبة بالباصات وضمن نطاق الحي.
وبالنسبة إلى التشغيل التعليمي، سيكون دور الوزارة إعداد المناهج وفق الأهداف المراد تحقيقها، ومن ثم ضبط وضمان الجودة التعليمية بمتابعة أداء الشركات وفق مؤشرات الأداء والمخرجات التعليمية.
وبالنسبة إلى أهم ركن في العملية التعليمية، المعلم، تتم مقابلة المتميزين من معلمي الوزارة وتقييمهم بناءً على اختبارات القياس وبناءً على اشتراطات الشركات التعليمية للمؤهلات، ومن ثم استقطابهم للعمل في هذه الشركات بعد تقديم الدورات التأهيلية المتخصصة إن احتاج الأمر، بالإضافة إلى استقطاب المعلمين الخريجين من الكليات، والتي ستطور بدورها من مناهجها وفق الخطط الجديدة والاشتراطات لهذه الشركات، وتنتقل مسؤولية توظيف المعلمين تدريجياً من الوزارة وديوان الخدمة المدنية إلى الشركات التعليمية، وينطبق ذلك على الموظفين الإداريين أيضاً.
والسؤال المهم، كيف ستكون طبيعة هذه الشراكة بين الوزارة وبين هذه الشركات التعليمية غير الربحية، ومصادر الموارد المالية والميزانيات المطلوبة للتشغيل التعليمي وفق هذا النموذج؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٢٤) صفحة (٨) بتاريخ (١١-٠٣-٢٠١٧)