المختلفون مع الجميع في الرأي والطروحات، فهم ينتصرون لذواتهم ولأهدافهم ولطروحاتهم ولآرائهم بأساليب لا يعلنونها، بل يخفونها ويلمِّعونها حينما تنكشفُ فينكشفون بسلبيَّتهم وأنانيَّهم

يختلفُون في مساراتهم وتوجُّهاتهم اختلافاتٍ واسعةً وعميقةً تفرزُهم على طرفي نقيضٍ؛ وذلك بحسب نظراتِ مجتمعاتهم وتقويمهم لأدوارهم ومبادراتهم ومنجزاتهم، فبعضٌ في الطرف السلبيِّ وهم الشريحة الأوسع المنشغل أصحابها بذواتهم يدورون فيها وحولها في أهدافهم وتوجُّهاتهم وفي قياساتِ مكتسباتهم وتقويم خساراتهم تأكيداً لها وانتصاراً لأنانيَّتها، فيما بعضٌ في الطرف الإيجابيِّ وهم المنشغلون بمن حولهم من مواطنيهم، المتلمِّسون احتياجات مجتمعاتهم المحليَّة ووطنهم والموجِّهون خطواتها واتِّجاهاتها منكرين ذواتهم، يتفانون ويخلصون ويبادرون بشفافيَّة وبوضوحٍ فتظهرُ بصماتُهم ومنجزاتُهم وخبراتُهم وتجاربُهم شواهدَ إيجابيَّة على تجرُّدهم من الأنانيَّة.
وفي حين يتخرَّجُ من الشِّريحة الأولى القابع أفرادها في الطرف السَّلبيِّ رموزُ الفساد الإداريِّ والماليِّ وأدعياء العمل الاجتماعيِّ والثقافيِّ، ويتفوَّق منهم في ذلك المستبدُّون في مجتمعاتهم ووطنهم المهمِّشون لغيرهم في جوانب الحياة ومجالاتها، والمختلفون مع الجميع في الرأي والطروحات، فهم ينتصرون لذواتهم ولأهدافهم ولطروحاتهم ولآرائهم بأساليب لا يعلنونها، بل يخفونها ويلمِّعونها حينما تنكشفُ فينكشفون بسلبيَّتهم وأنانيَّهم، ينظرون لسعادتِهم ويبلورونها بمكتساباتهم الآنيَّة، وهي سعادةٌ زائفةٌ مؤقَّتةٌ لا تلبثُ أن تتلاشى بمنزلقاتٍ فإخفاقاتٍ وإن طال زمنُها، وتنتهي بشكوى الزَّمان والمكان، وبأنينٍ وبنحيبٍ يتصاعدان بحسبِ خساراتهم وانكشافاتهم، وتعقبُ بتأنيبٍ لضمائرهم وإن لم يعلنوه مداراة ًومكابرةً ولكنَّهم يحسُّون بالندم ولات ساعة مندم، فيبحثون عن أساليب جديدة لاستعادة بعض مكتسباتهم ولكنَّهم لا يستطيعون إلى ذلك سبيلا، فيندفع بعضهم لعالم الجريمة أو لدوائر الانحراف، وإن حاول بعضٌ منهم بعد مراجعةٍ لذواتهم ولأهدافهم ولتوجُّهاتهم العودةَ إلى بداياتهم آملين بالابتعادِ عن السلبيَّة والأنانيَّة ولكن هيهات ثمَّ هيهات أن يحقِّقوا ذلك بعد انكشافهم واعتيادهم مساراتهم وتوجُّهاتهم الأولى، فهذا يتطلَّب منهم جهوداً كبيرة ما جرَّبوها وتحتاج لزمنٍ ما ألفوه ولا اعتادوا الصبرَ على طوله.
فيما يتخرَّج من الشريحة الثانية الكائن أفرادها في الطرف الإيجابيِّ روَّادُ العمل الاجتماعيِّ والثقافيِّ ورموزُ العطاءات الإنسانيَّة والوطنيَّة، العاملون في مجتمعاتهم ووطنهم للنهوض بها في جوانب الحياة ومجالاتها، المشاركون لمواطنيهم بالتفكير وبالآراء طموحاتٍ وأهدافاً، فهم لا يختلفون مع غيرهم في الفكر والرأي والمسارات والطروحات إلَّا مع أفرادٍ من الشريحة الأولى وإن كانوا يتحاشون ذلك ولكن قد يضطرُّون لمحاورتهم مؤقَّتاً، فهم ينتصرون دائماً للحقِّ وللحقيقة وللعدالة وللنزاهة بأساليب يعلنونها للآخرين فيظهرون في مجتمعاتهم المحليَّة وفي وطنهم روَّاداً في أعمالهم ومنجزاتهم وخبراتهم ومبادراتهم الاجتماعيَّة ورموزاً في ثقافتهم وإنسانيَّهم ووطنيَّتهم، تتجلَّى سعادتُهم بمكتسبات مجتمعاتهم ووطنهم، فيحسُّونها سعادةً ساميةً ودائمةً ومتنامية فينعمون براحة ضمائرهم ويشعرون برضا الآخرين من حولهم، ويجدون تقديراً وعرفاناً وتكريماً من مجتمعاتهم ووطنهم، فيزدادون تفانياً وإخلاصاً ومبادراتٍ ومنجزاتٍ وشعوراً بالرضا وبأدوارهم الإيجابيَّة فينطلقون في آفاقٍ اجتماعيَّة وفكريَّة وثقافيَّة تجعل منهم نماذجَ يقتدي بهم غيرُهم من أجيالٍ معاصرةٍ لهم وأخرى لاحقة بهم.
وحيثُ تقاسُ نهضةُ الوطن والمجتمعاتِ المحليَّة بحسب اتِّساع هاتين الشريحتين فيها أعداداً وتأثيراً، فإنَّ المجتمعاتِ المتقدِّمة والناهضة والصاعدة تتسع فيها الشريحة الثانية فتقوى تأثيراتها، فيما يعدُّ ارتفاعُ أعداد الشريحة الأولى واتِّساعُ تأثيراتها دلالةً على تخلُّف مجتمعاتها ووطنها، بل إنَّ هاتين الشريحتين معاً تعدَّان مؤشِّراتٍ على مخرجات التربية والتعليم في مجتمعاتها المحليَّة وفي وطنها، فاتِّساع الشريحةِ الأولى يعدُّ مؤشِّراً واضحاً على إخفاق التربية والتعليم عن تحقيق أهدافهما النظريَّة والعمليَّة في مدارسها وجامعاتها، ودلالةً اجتماعيَّة بيِّنةً على قصور الأسر في أدوارها، وعلى سلبيَّة المجتمع توعويّاً؛ ممَّا يتطلَّب وقفات تربويَّة تطويريَّة جادَّة سواءٌ أكان ذلك على مستوى التعليم العام أم كان على مستوى التعليم الجامعي والمهنيِّ، أو كان ذلك بتوعية الأسر بأدوارها ومسؤوليَّاتها، فيما الشريحة الثانية مؤشِّرٌ إيجابيٌّ واضحٌ على نجاح التربية والتعليم بتحقيقهما أهدافهما، ودلالة على نجاحات أسريَّة ومجتمعيَّة تربيةً وتوعية، وكلَّما اتَّسعت هذه الشريحة أعداداً وتأثيراً كان اتِّساعها مؤشِّراً أكبر على نجاح تربويٍّ وتعليميٍّ بمختلف ميادينهما فنهضت بمجتمعاتها المحليَّة وبوطنها.
كما تسير التنمية بمجالاتها واتِّجاهاتها صعوداً وهبوطاً بحسب هاتين الشريحتين اتِّساعاً فتأثيراً، ففي حين أنَّ الشريحة الأولى تعدُّ من معوِّقات التنمية، فإنَّ الشريحة الثانية تصنَّف من حوافزها وعواملها، وتعدَّان أيضاً مؤشِّراتٍ على العدالة والنزاهة واحترام الأنظمة والتشريعات الوطنيَّة وتطبيقاتها، أو على الفساد بأشكاله المختلفة وعلى الانحراف بأنواع الجريمة فيه والتجاوزات للأنظمة والتشريعات، وتظهر الخطوط البيانيَّة لذلك إيجاباً بتأثير الشريحة الثانية، فيما تظهر سلباً بتأثير الشريحة الأولى، وتلك المقاييس والمؤشِّرات تتطلَّب دراساتٍ علميَّة تحدِّد تأثير كلٍّ من هاتين الشَّريحتين على مجتمعاتها المحليَّة وعلى الوطن، تليها مراجعاتٌ متعمِّقة لعوامل ظهورهما أو اتِّساعهما تبنى عليها المعالجات الوطنيَّة المستقبليَّة المأمولة.
ومن هاتين الشريحتين وفيما بينهما يتكوَّن الحراكُ الثقافيُّ، فإذا ما أدارته الشريحة الأولى مهيمنةً على وسائله وأدواته فسيكون حراكاً ثقافيّاً سلبيّاً يمارس التهميش والإقصاء وتكوين الخلايا المتستِّرة على بعضها المدافعة عن سلوكيَّات بعضها وممارساتها، وحينئذٍ سيستشري الفسادُ الإداريُّ والماليُّ، بل وسيُحتسب من المهارات الفرديَّة لتقاسم المصالح دون تخوُّف أو ريبة ومداراة، وإذا ما أدارتْ الشريحةُ الثانيةالحراكَ الثقافيَّ فسيكون حراكاً ثقافيّاً إبداعيّاً إصلاحيّاً رائداً يأخذ باعتباره معالجة مشكلات المجتمعات المحليَّة والوطن بهدف النهوض بها لتتجاوز عثراتها والتأثيرات السلبيَّة للشَّريحة الأولى، وقد يفرز ذلك صداماً ثقافيّاً فيما بين الشريحتين لكنَّه سيكون مؤقَّتاً؛ إذْ لن يلبث زمناً إلاَّ بقدر ما يتيح لمحاولات يائسة بائسة من الشريحة الأولى أن تقلِّل خساراتها، فتضطرُّ بعدها للانسحاب التكتيكيِّ أو الدائم بحسب إصرار الشَّريحة الثانية على إدارة الحراك الثقافيِّ إبداعاً وتنويراً وإصلاحاً.

عبدالرحمن الواصل
اختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر،… المزيداختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر، نشرت له ثلاث مجموعات شعرية، يكتب أدب الطفل والمسرحية الشعرية.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٢٥) صفحة (٩) بتاريخ (١٢-٠٣-٢٠١٧)