الحديث عن الكتب أسرع موضوع فلسفي ممكن أن نخوضه مع أحدهم، وبغض النظر عن مدى الاتفاق في الرأي من عدمه، ومع احتمالية التصادم في الآراء تجاه فكرة أو مضمون أو أسلوب أو مؤلف، إلا أن هذا الحديث لا يمكن أن ينشأ من أساسه إن لم يكن طرفا الحديث من القراء.
ومقياس الجدلية في النقاشات حول الكتب يخضع لكمية الكتب المقروءة في تخصص بعينه، فقراءة كتاب أو اثنين في أحد التخصصات يولد الحماسة أكثر مما يولد الوعي، وقراءة عشرة كتب سيضعك في الخانة الببغائية حيث تكرر ما قرأت لأنك تشبعت ولكن لم تصل بعد لتكوين رأي شخصي، وما زاد عن عشرة كتب في نفس التخصص سيجعلك تبطن حالة الهلع التي تعتريك من كمية جهلك التي كنت ولا تزال عليها ولكنك في نفس الوقت بدأت تملك القدرة على تكوين رأي حول المواضيع المتعلقة بذات التخصص مع ديموقراطيتك في التعاطي مع الآراء الأخرى «طبعاً أنا لا أتحدث عن القراء المتطرفين لآرائهم وتوجهاتهم فهؤلاء يفضل ألا نخوض معهم النقاش حفاظاً على الطاقة الإيجابية التي نملكها».
وبمناسبة الحديث عن القراءة والكتب فبعد عقدين من القراءة الدائمة وصلت لقناعات شخصية حول تأثير الكتب، فكتب السياسة تسبب البؤس ورائحتها سيئة وتجعلك قي حالة ترقب لنهايات مأساوية، وكتب الفلسفة تتركنا في حالة شتات فكري وأدمغتنا تضج بالأسئلة دون إجابات، وكتب السير تصف التاريخ أفضل من كتب التاريخ نفسها، والكتب الصوفية تعيد تعريف مصطلح الحب في ذواتنا، والكتب النقدية هي الأسوأ ويفضل تصنيفها ككتب دراسية، والروايات الرومانسية تسبب لوعة وتنكأ الجراح، ودواوين الشعر لن تمتع الذائقة إذا كانت مترجمة، وعموماً كل القراءات مغنم فهي تغذية مركبة فكرية وروحية ومعرفية.
جمان:
أبلغ وصف للقراءة مقولة لنيتشة «إن أدهشك السطح.. فعمقه مرعب!».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٢٥) صفحة (٥) بتاريخ (١٢-٠٣-٢٠١٧)