لفتني، على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، صورة محزنة، صورة لما تبقى من حقائب المهاجرين، الذين قضوا في البحر خلال رحلة اللجوء، بل الموت، وهي التي كانوا يتوقون أن يروا في نهايتها شيئاً من الأمل والثراء والمستقبل الزاهر.
جُمِعَت تلك الحقائب، وعُرضت في معرض «بارسونز» في الولايات المتحدة الأمريكية. لا شيء يذهب سدى عند هؤلاء القوم، كل شيء له قيمة لديهم، حتى ولو كان يذكّر بمأساة كمأساة المهاجرين، كل شيء له قيمة، خصوصاً، إذا تقادم به الزمن، ولو كان شسع نعل.
هذا الزمن، الذي تدور دورته، ليحزن من فرح تارة، ويفرح من حزن تارة أخرى، أو كما صوره الشاعر العربي:
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سرّه زمن ساءته أزمان
كان العالم الآخر، هو، من يهاجر إلى عالمنا العربي للبحث عن الثراء، أو الاستشراق، أو الشهرة، وقد كان، إلى حد ما، آمناً أكثر من أي موقع آخر على البسيطة، ذات يوم، أما اليوم فقد أصبح أبناؤه مشردين، يطلبون الأمن في أي شيء، ومن أي شيء، حتى لو كان على متن قارب، تقوده عصابة، لتنتهي الجثة إلى البحر وتطفو الحقيبة، وتُؤخذ إلى معرض، هناك، للفرجة.
عجيب أمر هذا المهاجر، الذي يرى ويسمع ما يحدث لمن سبقوه إلى البحر، قصصٌ أبطالها قوارب الموت، وحبكاتها غدر البحر، وخلفياتها عصابات التهريب، ومع ذلك يُصرّ على سلوك ذات الدرب، ودون مبالاة، لكن، ربما، أنّه يريد أن يسجل لحقيبته حضوراً بين قريناتها من الحقائب في متحف غربي! أي جنون هذا؟
أخيراً، ماذا بقي؟ غرقت الأحلام، وطفت الحقائب والجثث، ومازال عالمنا العربي تغلي به مراجل الشر، وتمزقه أنياب الوحوش الضارية، في صراعات، لا تُعلم نهايتها، ولو من بعيد!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٢٧) صفحة (٧) بتاريخ (١٤-٠٣-٢٠١٧)