لم أكن أعد أحجار الشوارع كما أفعل الآن، ولم أتمعن في واجهات المحلات وأعمدة الكهرباء ووجوه البشر ومعانيها، لم أكن أتقصى عما وراء الأخبار من خفايا ومن ملابسات، ولم يكن يأخذني الحماس والاندفاع لأن أنقب في كل الحكايات التي أسمعها وعن مصادرها ومدلولاتها وحيثياتها، كنت كغيري من الناس أقول ما يقولون وأفعل كما يفعلون بسطحية التفكير أحيانا أو بعمقه أحيانا أخرى في حالة التلقي دون أي شعور بمسؤولية الكلمة التي منحتها لي صاحبة الجلالة «الصحافة» التي تعلمت منها كثيراً من حالات البحث والتدقيق وعمق الاستفسارات والفضول أحيانا لأسئلة كثيرة تعلقت في فمي ولم أكن أستطيع منعها من «الاندلاق» للحصول على المعرفة، نعم تغيرت مع هذا الكيان الضخم الذي لا يمكن أن ينجو من إخفاقاته أحد، فالكل يسير على هداه ووفقا لتفكيره ومرئياته يفسر على طريقته منطلقا من قناعاته، الكل يتحدث ويثرثر في وسط قابل للأخذ والرد والسجال الطويل، وكنت كغيري من الإعلاميين أندفع أحيانا مع بعض الأحداث، وأعيش حالة مغرقة من التعاطف، وأتماسك أحيانا أخرى، وأصمت وأنتظر سقف حرية أعلى، وفي كل المحطات كنت أحاول أن أفهم ردود الأفعال نحو الإعلامي الذي قد يقبله بعض الأشخاص وقد يرفضه البعض الآخر نتيجة لمواد أو مواقف معينة قد يكون هو من اقترفها وأخرى قد يكون قد تورط بها أو فرضت عليه، فيومي الإعلامي مليء بالمتاهات، أسير فيه وكأني أمر عبر حقل من الألغام الذي لا يمكن أن أشعر فيه بالأمان على ساقي فقد ينفجر بهما مكان آمن أو يدي التي يمكن أن تحترق نتيجة خطوة تعاطف متهورة قد أدفع ثمنها غاليا، ولعل الحديث في هذا المجال له شجون متشعبة يمكن أن تلاحظها في وجوه الآخرين عندما تقف لتعلن عن هويتك كإعلامي فتفاجأ بحالات قبول وتأييد أو رفض أو تجاهل، وفي كل هذه الأحوال لا يمكن للإعلامي الحقيقي أن يفوت أي فرصة لصناعة مادة من أبسط الأشياء التي يحتاج فيها فقط لفكرة يصطادها من كل موقف ويسلط عليها الضوء ويضعها أمام القارئ أو المتلقي، وفي تعددية الإعلام الجديد ودخول عديد من الشخصيات الإعلامية على الخط الساخن يمكن أن تلاحظ التغيير الذي لحق بالمجتمع، وقد تكون العدوى الإعلامية قد وصلت إليه وتغير هو أيضا وابتعد عن حالة السذاجة في تلقي الحدث، بل صار يرد ويعلق ويسخر وينتقد ويتقصى ويتساءل ويعيش حالة تغيير إيجابية أصبح يحتاج إليها ليخرج من دائرة الاستغفال إلى رحابة معرفة الحقوق والمصادر، مما يؤكد أهمية لفت انتباه المؤسسات الإعلامية إلى أن لديها متلقياً واعياً وشرساً، ولا تمر عليه المعلومة مرور الكرام، مما يتطلب منها أن تهتم بتدريب جنودها ومنسوبيها، وتلفت نظر كتابها، وتهيئ كافة قدراتها لمواجهة ساخنة ورقابة مشددة يترأسها المواطن الذي صار يقرأ ما بين السطور، ويلتفت بنظرة متبصرة نحو الأحداث، ذلك الذي خرج من فطرية التلقي إلى احترافيته وإلى المساهمة في تغيير الواقع، وصار شريكا موازيا لقطار الصحافة القادرة على النبش في القضايا وإظهار خفاياها، والوقوف على الحقائق بكل ثقة ومقدرة.
نعم تغيرنا جميعا؛ فقد منحتنا سلطة التقنية قدرات التثبت والاسترجاع وإظهار الحقائق ومتابعة لحظية لكل ما يجري، فعلى الرغم من حالة الضجيج التي صارت تلاحقنا إلى آخر حدود وسائدنا، إلا أننا يجب أن نعترف بأننا تغيرنا من الغياب إلى الحضور، ومن اللامبالاة إلى المشاركة والتفاعل، على الرغم مما ندفعه من مساحات أوقاتنا وما نستهلكه يوميا من مقدار راحتنا، إلا أننا قد نستفيد في المحصلة النهائية من حالة اليقظة الالكترونية التي فرضت علينا أن ننام بأعين مفتوحة، وأن ننتبه لما قد يأتي؛ لكي تكون لدينا القدرة على تغييره لصالحنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٣٠) صفحة (٩) بتاريخ (١٧-٠٣-٢٠١٧)