وقد كان للعلماء في تلك الفترة دور بارز في أمور الحرب والسياسة الخارجية للدولة؛ حيث كانوا يستشارون في عديد من الأمور المهمة التي تهم البلاد المسلمة والمجتمع. بل إن بعضهم كانوا يتقدمون الصفوف مع الأمراء في الخروج للجهاد، وحث الجنود على الصبر والثقة بالله وإخلاص العمل لرفع راية الإسلام في أصقاع الأندلس…

لقد لعب الفقهاء على مر العصور الإسلامية المختلفة دوراً مهماً ومحورياً في ترشيد القيادة السياسية ومساعدة الخلفاء والأمراء والولاة وتقديم النصح والدعم والمشورة لهم.
والتاريخ الإسلامي حافل بعديد من النماذج لفقهاء كانوا خير معين للخلفاء في توجيه وترشيد حركتهم؛ لرفع شأن الأمة ونصرة دينها ومحاربة الفساد ورفع الظلم، في المقابل شهدت العصور الإسلامية كذلك نماذج من فقهاء شرّعوا الظلم وبرّروا انحراف الخلفاء عن الطريق الصحيح، وكانوا يقدمون المشورة التي ترضي الخليفة ولا تغضبه وتتسق مع رؤيته؛ كي تبقى لهم مكانتهم وحظوتهم في بلاط الخليفة.
لقد كان للفقهاء دور تاريخي مهم في الإسهام في رقي الأمة، وأسهم آخرون في سقوطها وتدهور حالة المسلمين.
ولعل تسليط الضوء على حقبة تاريخية واحدة تعطينا كيف كانت أدوارهم وتأثيرهم، ففي عصر دولة المرابطين كان العلماء هم أصحاب الحل والعقد، ولهم السلطة المؤثرة في تزكية الأمراء المرشحين لولاية العهد؛ حيث لا تنعقد البيعة إلا بحضورهم وتزكيتهم لمن تم اختياره وفق آلية معتبرة في ذلك الوقت. فعلى سبيل المثال عندما اختار يوسف بن تاشفين ابنه أبا الحسن علي ولياً للعهد جمع علماء البلاد في مختلف الأمصار وأخذ مباركتهم وبيعتهم لابنه علي.
لم يكن دور العلماء في تلك المرحلة التاريخية مقتصراً على الفتيا وأمور الدين، بل تعدى ذلك إلى دورهم المحوري في المساهمة في إدارة شؤون البلاد وتسيير أمورها ووضع الخطط الإدارية لا سيما التي تحتاج إلى الأحكام الشرعية لضمان عدم مخالفتها للدين الإسلامي واتساقها معه.
وهذه رسالة الأمير المرابطي تاشفين بن علي إلى أهل بلنسية بعد استرجاعها سنة 495هـ/1101م توضح كيف كان الاعتماد على الفقه المالكي وعلى آراء فقهاء المذهب؛ حيث كانت لها آثار واضحة في نواحي التشريع «واعلموا أن مدار الفتيا ومجرى الأحكام والشورى في الحضر والبدو عما اتفق عليه السلف الصالح رحمهم الله من الاقتصار على مذهب إمام دار الهجرة أبي عبدالله بن مالك بن أنس رضي الله عنه، فلا عدول لقاضٍ أو مفتٍ عن مذهبه، ولا يأخذ في تحليل أو تحريم إلا به، ومن حاد عن رأيه بفتواه ومال إلى الأئمة إلى ما سواه فقد ركب رأسه واتبع هواه».
وقد كان للعلماء في تلك الفترة دور بارز في أمور الحرب والسياسة الخارجية للدولة؛ حيث كانوا يستشارون في عديد من الأمور المهمة التي تهم البلاد المسلمة والمجتمع.
بل إن بعضهم كانوا يتقدمون الصفوف مع الأمراء في الخروج للجهاد، وحث الجنود على الصبر والثقة بالله وإخلاص العمل لرفع راية الإسلام في أصقاع الأندلس.
وقد كان لبعض الفقهاء جهود واضحة وملموسة في إصلاح المجتمعات؛ حيث استغل بعضهم قوته ونفوذه وسلطته في إقامة الحق كالقاضي عياض الذي أزال المكوس والمظالم في البلاد التي حل بها، وكذلك ابن الفراء قاضي المرية عندما علم أن الأمير المرابطي يجمع المعونة من أهالي المدينة، فامتنع من فرضها على الناس، وكتب إليه رسالة يخبره فيها بعدم جواز فرضها عليهم.
هذه الصورة يقابلها صورة أخرى مغايرة لبعض الفقهاء الذين استغلوا نفوذهم وموقعهم لأجل منافع شخصية؛ حيث انتشرت الرشاوى بينهم ولدى أعوانهم، وقد تحدث ابن العريف عن فقهاء عصره ووصفهم بفقهاء السوء؛ حيث قال «كان الكبر والفخر والسرور بجنب الدنيا في وجوههم بادياً، وناموا واتكأوا بجنوبهم على اللين من أنواع الملبوس، إيثاراً لراحة النفوس، عملاً متمادياً، واعتمدوا بظهورهم على صدور المجالس زهوا على خواطر المجالس ظاهراً بادياً، وأي ظهور لم تثقل بأعباء الدين، ولا نشطت للقيام بأمور المساكين، بل خفت واستراحت بطرحها لأثقال الأمانة وقامت بشرائع أمثالها أهل العجز والخيانة».
ونتيجةً لهذا الوضع المتدهور في تلك الفترة فقد نقم الناس على هؤلاء الفقهاء، وقاموا بردود فعل قوية تجاه السياسة المرابطية؛ حيث رفضوا أداء الضرائب، وثاروا على بعض الفقهاء، بل وصل بهم الحد إلى اغتيال بعض المحسوبين على السلطة في تلك الفترة كقاضي قرطبة أحمد بن خلف سنة 529هـ. كما رجم العامة بقرطبة القاضي ابن مناصف.
والمتأمل في تاريخنا الإسلامي في كافة فتراته وعصوره منذ نهاية عصر الخلفاء الراشدين وحتى وقتنا الحاضر، سيجد أن للفقهاء دوراً بارزاً ومهماً في تقدم المجتمعات والدولة الإسلامية بالعموم، وقيادة الرأي العام فيها من خلال ما يقدمونه من رأي ونصح ومشورة للحكام والخلفاء والأمراء والولاة، وما يتمتعون به من سلطة عززها بعضهم في إقامة الحق وإظهاره؛ حيث عكس هذا رقي الدين الإسلامي والشريعة السمحة.
وكما كان لفريق من الفقهاء دورٌ إيجابيٌ بارزٌ، فهناك فريق آخر لم يقدموا لأمتهم ولا مجتمعاتهم الإسلامية إضافات وإسهامات حضارية تبرز مكانة وعظم مبادئ الشريعة، بل العكس؛ حيث استغلوا نفوذهم وسلطتهم لأهواء شخصية.
بين هؤلاء وهؤلاء يقف التاريخ ويسجل الأحداث بعناية ليدلل على أهمية العلماء على مر العصور؛ حيث كانوا ومازالوا مؤثرين وبصلاحهم تصلح أمور الرعية والعكس.

ناصر الهزاني
ناصر بن عبد الرحمن بن ناصر الهزاني، سعودي ، باحث في الشؤون الخليجية والعلاقات الدولية ، ماجستير إعلام من كلية… المزيدناصر بن عبد الرحمن بن ناصر الهزاني، سعودي ، باحث في الشؤون الخليجية والعلاقات الدولية ، ماجستير إعلام من كلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض سبق له الكتابة في عدد من الصحف الدولية والسعودية، صدر له كتاب بعنوان " الفتوى في الفضائيات العربية .. دراسة في التعرض والمشاهدة " منشور من دار ابن حزم في بيروت عام 2011م
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٣١) صفحة (١٣) بتاريخ (١٨-٠٣-٢٠١٧)