محمد الرياني

محمد الرياني

كنتُ في غرفتي بالطابق الثاني، قبل دقائق تصل إلى خمس علقت ثوبي على الشماعة القريبة مني، الغرفة كانت باردة ومنعشة لواحد مثلي وصل منهكاً بعد يوم يعج بالأعباء، ما إن هممت بإلقاء نفسي على السرير البارد حتى رن صوت الهاتف الجوال الموضوع على الطاولة التي عن يميني، تناولته بسرعة، قال لي: بسرعة نحن ننتظرك جوار محطة البنزين، فرحتُ ولم أصدق نفسي، لبستُ ثوبي بسرعة، نزلت بقدمين حافيتين تهزان سلم النزول، أدخلتُ قدماي في حذاءين من الأحذية المتناثرة أمام المدخل؛ العامل المشترك بينهما هو السواد، انطلقتُ مسرعاً، شعرتُ بعدم التوازن، الذين قابلوني في الطريق ينظرون إليّ باستغراب، هَرْولَتي في الشوارع الضيقة، حالة عدم التوازن، لم تعرْني كل نظراتهم أي اهتمام، وصلتُ إلى المحطة ودقات قلبي في ازدياد، ثوبي الذي نسيت أن أرتب أزراره كما ينبغي، بل نسيت أن أضعها كاملة في فتحاتها، لم أر غرباء في المحطة، أو سيارة غريبة، سألتُ الموجودين عما إذا كان هناك أحدٌ سأل عني فلم يثبتْ لي ذلك، انتظرتُ وانتظرتُ ولم يحضر أحد، أدخلتُ يدي في جيبي لأخرج الهاتف وأتصل فلم أجده، تذكرتُ أنني تركته بعد إغلاق الخط، عدت مسرعاً، وجدتُ عند الباب من يعاتبني لدرجة الخصام على أخْذِ فرْدةٍ من حذائه مع حذائي، تركتُ له زوج الأحذية، صعدتُ مسرعاً، اتصلتُ.. يا فلان أين أنت؟ ضحك بجمال وقال أنا في البيت، قلت له والمحطة! قال لي: سامحني. كنتُ أمزح معك لأعرف صدق مشاعرك. تنهدتُ تنهيدة طويلة استعاد معها قلبي توازنه، عادت دقاته كما هي، قلت في نفسي لم لا أفعل به مثل ما فعل بي؟ تراجعتُ عن تفكيري، كنتُ واثقاً من أن المزاح ضرْبٌ من ضروب الإعجاب حتى لو لبس صاحبه حذاءين مختلفين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٣١) صفحة (١٢) بتاريخ (١٨-٠٣-٢٠١٧)