في هذا العالم الكبير هناك أديان وقوميات وتصنيفات كثيرة، هذه التصنيفات تعبر في حقيقتها عن مجتمعات كبيرة تتشابه إلى حدٍّ ما فيما بينها في الخصائص، هناك العلماء وهناك العامة، هناك الصادقون وهناك الكاذبون، هناك المجرمون وهناك الصالحون، وعادةً ما يكون الأصل في الإنسان هو الخير، ربما يصح لي أن أدعي أن هناك من لا يستطيع أن يفهم هذه المعادلة بشكل جيد، يظهر ذلك من خلال لغة التعميم التي يستخدمها مع الآخر، فحينما تُرتكب حادثة سرقة من شخص ينتمي لمدينة معينة، فإنَّ الشخص الذي يستخدم لغة التعميم يرمي جميع من ينتمي لهذه المدينة بالسرقة، حينما يرتكب شخص فعلاً يصنف جنائيا بالإرهاب يرمي جميع من ينتمي لمذهبه بهذه التهمة، وحينما يرتكب شخص فعلا مخلاً بالآداب يرمي بلده بأكمله بهذه التهمة، هذا الطريقة في التفكير أستطيع جدا أن أدعي أنها وصلت لمستوى الظاهرة، يمكن الاستدلال بذلك من خلال عشرات الهاشتاقات التي يصل مرتادوها إلى عشرات الآلاف ويطرحون فكرا عنصريا اتهاميا لجماعات كبيرة بدعوى أن أحد أفرادها ارتكب ما يعتبرونه مخالفا الأمر الذي يجعله سلوكا تحريضيا عنصريا يتسبب في نشر الكراهية بين الناس.
يؤسفني أن أقول إنَّ ظاهرة التعميم الموجودة لدى بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية تُعبر في حقيقتها عن مزيج من الجهل والعصبية، هناك مع الأسف من يبرر لهذه الظاهرة ويدعو إليها، هناك من يقول إنَّ المسيحيين كلهم مجرمون، وإنَّ اليهود مجرمون، وإنَّ الشيعة أو السنة أو غيرهم كذلك، إن الشعب الفلاني أو القومية الفلانية كلهم كذلك، وهذا الكلام غير صحيح، القرآن الكريم أكد على هذا المعنى حين قال (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)، الآية هنا تؤكد على وجود النوعين، هناك الصالح وهناك الطالح، هناك الأمين وهناك الخائن، وهذه الحقيقة بديهية في نسبة ساحقة من التنوعات البشرية، لا يوجد جماعة بأجمعها شر محض أو خير محض، عدم إدراك مثل هذه الحقيقة يجعلنا كأمة عربية وإسلامية نعيش نشازاً فكرياً بين الأمم، يتهم بعض منا الآخرين بتهم ويسيء إليهم بإساءات بالغة ليس إلا لأنَّ أفراداً معدودين منهم ارتكبوا عملاً مشيناً، المشكلة هنا هو لو أننا طبقنا ذات المعيار على أنفسنا لوجدنا أنفسنا مضطرين للقبول بتهم سيئة تطلق علينا نتيجة قيام أشخاص ينتمون إلينا بأفعال مشينة، وهذا تماماً ما لسنا نرضاه لأنفسنا. من المهم جداً أن تكون هناك لغة إعلامية وتربوية ترتقي بفكر الإنسان العربي إلى الدرجة التي تجعله شخصاً منطقياً يُحسن عدم تعميم تصرفات الأفراد على مجتمعاتها، حينما لا يتحمل الإعلام هذه المسؤولية بالمستوى المطلوب فسيتحول الإنسان شاء أم أبى إلى شخص عدائي وغير منصف، كما سيتحول لشخص ازدواجي يجيز لنفسه تطبيق معاييره في اتهام الناس ويرفض أن يعامله الآخرون بها، الارتقاء بالجانب الأخلاقي هي وظيفة إعلامية مهمة ويمكن الادعاء أنَّ أخلاقيات المجتمعات تعكس إلى حدٍ ما أخلاقيات إعلامها، من هنا فالحمل كبير على إعلامنا في الارتقاء بهذا الجانب الأخلاقي المهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٣١) صفحة (١٢) بتاريخ (١٨-٠٣-٢٠١٧)