عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

نحن في هذه البلاد المباركة تعج مساجدنا بالخطب والمواعظ والدروس العلمية في الفقه وأصوله، وهذه ظاهرة حسنة وسنة متبعة عند سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. ولكن، إن المتتبع والراصد لهذه الدروس العلمية فإنه يلمس أحياناً أن هذه الدروس لم تفِ بالغرض المطلوب، وإنما هي أحياناً دروسٌ هشة لا تزيد معرفة إلى معرفة.. وإنما هي اجترار لأقوال سبقت وآراء اندرست! ومعذرة على هذه الجرأة على محتوى هذه الدروس ولكن، إن الأمانة العلمية مني تقتضي مثل هذا القول.. لا أريد أن تأخذني هذه المقدمة بعيداً عما أنا بصدده وهو ضحالة هذه الدروس ومحتواها. إنه من الواجب أن نرتقي بفكرنا الفقهي إلى فكر خلاق ورأي صائب سديد يستقي ذلك عبر مصادر الدين الإسلامي الأصيلة ولا نبقى رهن أفكار زيد أو عمرو.. إن الأمة ليست متعبدة بأقوال من سلف بل إنها متعبدة عن طريق نصوص هذا الشرع الحنيف المتمثلة في آية كريمة أو حديث صحيح. إن العجب ليتملكني حينما أرى أن هذه الدروس تطنب فتخوض في اختلافات فقهية وآراء أصولية ليست من الدين في شيء!! وإنما هي محض أقوال رجال اندرسوا وكانت أقوالهم هذه قد أُسقِطت حينها على ظروف زمانية ومكانية لها خصوصياتها وظروفها. إن كان لمقالي هذا بيت قصيد حيال هذه الدروس فلا يتجاوز قولي إن مثل هذه الدروس ربما تكون حجر عثرة أمام نصوص جلية قد أفصح عنها وحي السماء أو حديث صحيح شريف. إن هذا التكلف والتنطع ليس من ورائه مندوحة فأحكام شرعنا جلية لا تحتاج منا إلى هذا التنطع ولا هذا الاختلاف.. إنه من خلال هذه الدروس العلمية أحياناً ما يقف علماؤنا الأفاضل من صحة النص الشرعي أو عدمه منطلقين من بوابة صحة السند وحسب في أطروحاتهم العلمية، وأحياناً يغضون الطرف عن صحة المتن. وإني أرى أن الحفاوة بصحة السند على حساب المتن هو معضلة في فهم أصول هذا الدين.. وتكمن خطورة هذا النهج في تلك النصوص التي تُبنى وتُؤسس عليها النصوص الشرعية. إذاً، إن الدراية يجب أن تقدم على الرواية ولكن المشاهد في دروسنا العلمية هذه أن الرواية مقدمة على الدراية. إن ديننا الإسلامي يجب أن تُسَاق مفاهيمه عبر بوابة وحي الله الطاهر القرآن الكريم وصحيح السنة. إن الدروس العلمية التي تعقد في مساجدنا اليوم ما هي إلا عبارة عن أقوال لأناس مضوا قد ثرَّبوا علينا اقتفاءها بعد أن استبان لنا الدليل. إن الدروس العلمية يجب أن تعقد لدراسة كتاب الله دراسة متينة تفضي بنا إلى فهم هذا الدين فهماً يفضي بنا إلى معرفة عظمة الله وجلاله، ولن يتأتى ذلك إلا عبر العصف الذهني من أجل هذا الكتاب. إن مسألة فهم النص القرآني ليست مسألة مفروشة بالورد أحياناً بل إنها مسألة صعبة لن تكون إلا لشخص وعى النص القرآني بوعي تبين عبره فهم هذه النصوص ومقارنة بعضها ببعض. إن النص القرآني نجد أن بعضه هنا وبعضه الآخر هناك وظاهره هنا وباطنه هناك وعمومه هنا وتفصيله هناك، فأحكام الله منثورة هنا وهناك تحتاج منا إلى جهد مضنِ لفهم هذه النصوص واستخراج أحكام الله منها. إن وحي الله هو وحي قد اشتمل على كل شيء فما من شاردة ولا واردة إلا وحكمها في هذا الكتاب ولا نحتاج أن نردف معه شيئاً آخر، قال الله في وحيه الطاهر في هذا الصدد (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ويردف معه الله النص الآخر (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) إن كتاب الله فيه بيان لكل شيء فلا داعي لاختلاف العلماء وبيننا هذا المعين الذي لا ينضب يقول الله عنه (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) إنه ليندى جبيني وجبين كل غيور حينما نسمع من أفواه أصحاب هذه الدروس أنهم يكررون قولهم (قال فلان وقال فلان) ولم نسمع منهم عزوا قولهم إلى الله ورسوله. إن الأمة ليست مُتعَبدة بأقوال الرجال بل هي مُتعَبدة بنص جليّ واضح أقسم الله على حفظه وبيانه حينما يقول الله تعالى عنه (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد).. والله تعالى يقول للرسول صلى الله عليه وسلم (وكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ) إذا كان هذا هو قول الله لرسوله فما سواه من باب أولى. إن نقطة تحول الأمة وحجر زاويتها هي يوم تركن لهذا الكتاب الذي يقول الله تعالى عنه (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) إذاً لن تبقى الأمة بل البشرية جمعاء في سعادة مالم تشخص ببصرها إلى هذا الوحي الطاهر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٣١) صفحة (١٢) بتاريخ (١٨-٠٣-٢٠١٧)