قبل أيام عقدت ثماني وستون دولة مؤتمرا في الولايات المتحدة الأمريكية، ناقشت كيفية القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وليس هزيمته فقط في العراق وسوريا، ذلك أن هذا التنظيم قد تحول إلى فكرة، وأن طريقة إدارته للحرب التي يشنها على العالم هي من نوع جديد على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ حيث تمكن التنظيم من غسل أدمغة الشباب المنتمين له، وكذلك المؤيدين المنتشرين في كل الدول العربية والإسلامية والدول الغربية أيضا. ولذلك لا يعدم أعضاء داعش وسيلة القتل، فإن لم يجدوا بنادق ومسدسات فإن الأحزمة الناسفة جاهزة ومحبذة أكثر من البنادق الآلية، وإن لم يحصلوا على المواد الكافية لتزنير الخصر وتفجيره، فبالإمكان استئجار شاحنة وقتل المدنيين الأبرياء بها، كما حدث في فرنسا، وقبل يومين في العاصمة البريطانية بالقرب من البرلمان هناك.
هذا التنظيم، تمدد منذ الاحتلال الأمريكي للبلاد وإسقاط النظام السابق، وغيّر أسماءه عدة مرات لمتطلبات تتعلق بالتوسع وانضمام جماعات مسلحة جديدة إليه، وهو يواجه اليوم معركة وجوده. فقد بدأ تحت اسم جماعة التوحيد والجهاد في العام 2004 بزعامة أبي مصعب الزرقاوي الذي بايع أسامة بن لادن الزعيم السابق لتنظيم القاعدة ليتحول الاسم إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وفي 2006 شكّل الزرقاوي مجلس شورى المجاهدين بزعامة عبدالله رشيد البغدادي، وبعد شهر تم قتل الزرقاوي لينتخب أبو حمزة المهاجر زعيما للتنظيم، ثم تغير الاسم إلى دولة العراق الإسلامية بزعامة أبي عمر البغدادي، الذي قتله الأمريكان ومعه المهاجر، وذلك في إبريل 2010، ليتم اختيار أبي بكر البغدادي،خليفة لعمر البغدادي، وقد تم تعيين الناصر لدين الله سليمان وزيراً للحرب. ومع اندلاع الحرب في سوريا تشكلت جبهة النصرة بزعامة أبي محمد الجولاني، وأعلن البغدادي بعد ذلك تشكيل الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد أن أعلن دمج النصرة له. لكن الجولاني لم يرق له الأمر، وقرر عدم الموافقة على الاندماج، بل وأعلن تبعيته لتنظيم القاعدة في أفغانستان. وفي نهاية يونيو/ حزيران 2014 أعلن الناطق الإعلامي باسم تنظيم داعش عن قيام دولة الخلافة ومبايعة أبي بكر البغدادي خليفة للمسلمين، وتم شطب اسم كل من العراق وسوريا من اسم التنظيم لتصبح «الدولة الإسلامية» واتخذ الموصل التي استولى عليها بسبب فساد النخبة السياسية الحاكمة في العراق، وأزال الحدود بين العراق وسوريا.
لا شك أن هذا التطور السريع والتغيير الأسرع في اسم التنظيم يتصل بقدرته وتوسعه في كل من العراق وسوريا، لكنه وبعد احتلال الموصل لم يتمكن من التوسع، بل إن الحكومة العراقية وجدت أن الخطر الداهم يتطلب مواجهته بطريقة تختلف عن إدارة الدولة ومالها العام. وهكذا تم، فقد بدأ الجيش العراقي وحلفاؤه بهجوم نهاية العام الماضي، وبدأت عملية تحرير الموصل ومحاصرة المناطق التي يحتلها التنظيم في سوريا، فضلا عن محافظة الأنبار ومناطق أخرى في العراق، ليبدأ العد العكسي لإنهاء الوجود العسكري لداعش في العراق أولا ثم في سوريا.
لكن داعش ومنذ أن سيطر على الموصل والأنبار والفلوجة والرقة، أسس نظاما، وبث فكرا انتشر كالنار في الهشيم في عديد من دول العالم، كما أسس نظاما اجتماعيا، وبدأ في بث الفكر التكفيري بين الأطفال، وأجبر النساء على حمل السلاح دفاعا عن مناطق التنظيم، وهو الذي يرفض تعليم المرأة ويمنع خروجها بمفردها من منزلها، ولا يرى فيها إلا عورة ينبغي أن تغطي كامل جسدها دون استثناء. هذا التنظيم مارس عملية السبي وتجارة الرقيق، واغتصب النساء الأزيديات؛ حيث يبلغ عدد من سباهن التنظيم أكثر من 6200 امرأة أزيدية، فرت أو قُتلت أو انتحرت نحو ألفي امرأة وبقيت الأعداد الأخرى تحت قبضته، بالإضافة إلى عشرات آلاف النساء اللاتي تم السيطرة عليهن وفرض طقوسه عليهن. واليوم هناك أكثر من ثلاثين ألف امرأة حامل في مناطق داعش حتى بداية العام الماضي 2016، وفق تقرير أعدته مؤسسة «كيوليام» البريطانية ونشرته عديد من الصحف مطلع مارس من العام الماضي. يعني أن هناك جيشاً مستقبلياً يمكن أن يكون نواة تدمير كل من يعارضه، خصوصا إذا وجد الأطفال الذين ولدوا أو سيولدون من آباء دواعش، حواضن اجتماعية تربيهم على ما كان عليه آباؤهم.
المشكلة ليست هنا فقط، بل إن الحواضن نفسها يمكن أن تفرخ جيوشا إذا ما استمرت المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ما هي عليه؛ حيث تعاني بعض الدول العربية فشلا ذريعا في سياسات التنمية، واستشراء غير مسبوق في الفساد المالي والإداري، ما حوّل عديداً منها إلى دول فاشلة غير قادرة على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لأبنائها.. وهنا تكمن الطامة الكبرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٣٧) صفحة (٩) بتاريخ (٢٤-٠٣-٢٠١٧)