التكهنات التي تشير إلى أن الحروب في الألفية الثالثة ستكون من أجل الماء ترتكز على إحصاءات تؤكد أن الماء الصالح للشرب في تناقص في العالم نتيجة لعدة أسباب ربما يكون ارتفاع حرارة الأرض وزيادة الاستخدام المائي في الصناعة والزراعة، بالإضافة إلى ارتفاع سكان العالم والتلوث من أهمها، ولا يمكن كذلك تجاهل الاستخدام غير العقلاني الذي يعتبر سببا مهما في تبديد الثروة. المحللون السياسيون يرون في بعض السلوكيات الأنانية لبعض البلدان التي تشقها الأنهار وتتجاوزها لبلدان أخرى، والاستحواذ على حصص مائية تفوق ما هو متفق عليه سلوكا عدائيا يُنذر بتوترات قد تتطور إلى صراعات إقليمية دامية، لا أعلم مقدار المبالغة فيمن وصف قطرة الماء في الألفية الثالثة بأنها ستكون أغلى من النفط، ولكن إن صحت فلأن حياة الإنسان والحيوان والنبات تحتاج إلى الماء أولا ومن دونه لن يكون النفط كافيا للحياة.
قد يُبدي بعضهم تذمراً من رفع أسعار استهلاك الماء في المملكة ولكن المتتبع لهذا الأمر يجد هذا القرار غاية في الأهمية بل ربما يصح وصفه بالمتأخر، فتبديد الماء كان سلوكا ملحوظا ولم تكن هناك خطوة أكثر ضمانا لاستهلاك منطقي له إلا بوضع أسعار عادلة ومنطقية، ربما تكون الخطوة المهمة اللاحقة هي رقابة أكثر فاعلية لعملية الحفر العشوائي للآبار وسن قانون صارم لمحاسبة المخالفين، فالحفر العشوائي هو استنزاف لمخزون الماء الجوفي الذي يعد ثروة لا يمكن لشخص أن يستحوذ عليها أو يتلاعب بها ويبددها كيف شاء، كما أن مياه الأمطار هي مصدر مهم يمكن وصفه بالهبة الإلهية التي ينبغي أن تكون هناك إجراءات وخطوات من أجل تحقيق الاستفادة القصوى منها، بالرجوع إلى الأمطار الأخيرة التي هطلت في المنطقة الشرقية وفي عموم مناطق المملكة التي كانت غزارتها قياسية بالنسبة للأعوام الفائتة فإن تصريف هذه المياه إلى البحار خطوة لم تكن لتحدث لولا كانت هناك مخازن مائية وأحواض لتجميع المياه وإعادة تنقيتها، أو سدود ذات طاقات استيعابية عالية، هذا الأمر يجعلنا نتساءل ما إذا كان لدى وزارة المياه خطة مستقبلية تتيح استغلال أفضل لمياه الأمطار بحيث تسهم تدريجيا في زيادة المخزون المائي في البلاد.
في إحصائية بثتها قناة الجزيرة أشارت إلى أن إجمالي نسبة المخزون المائي لكافة الدول العربية يبلغ 1 % فقط من إجمالي المخزون العالمي، ما يجعل معدل الاستهلاك الفردي السنوي العادل قليلا جدا يصل إلى 900 متر مكعب فقط، بينما يصل هذا العدد في إفريقيا إلى 5500 وفي آسيا إلى 3500، مشكلة الأمن المائي في الوطن العربي معرضة للتفاقم مع توقع ارتفاع العدد الإجمالي للسكان من 350 مليونا حاليا إلى 720 في العام 2030، ولأن منابع الأنهار التي تمر في الدول العربية خاضعة لسيطرة دول أخرى بعضها يصنف كعدو كإسرائيل، كل ذلك يجعل المرحلة المقبلة حرجة جدا وتحتاج لإدارة واعية لملف المياه، أما دون إدراك حقيقي لذلك فإن المستقبل سيحمل مفاجآت كارثية على كثير من دولنا العربية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٣٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٥-٠٣-٢٠١٧)