نحن نفعل ذلك لأجل كاميرات المراقبة، مادام الجرس يدق فلابد أن نقوم بذات الفعل وإلا تعرضنا للمساءلة من الشخص الذي يراقبنا

حكى لي صديقي قصة حصلت معه خلال سفره لإحدى الدول الأوروبية مؤخراً، وقرر في اليوم الأخير لرحلته الذهاب إلى السوق لشراء بعض الهدايا لعائلته، يقول: عند وصولي إلى السوق ودخولي لأحد المحلات الكبرى انطلق جرس الإنذار فجأة، لم يكن في يدي أي حقائب، ولم أشتر بعد أي أغراض، هرع حارس الأمن نحوه بسرعة، حدق فيه وسأله بأدب إن كان يحمل أيه مشتروات، كان اتهاماً مبطناً لكن صاحبنا تعامل مع الموقف بهدوء، وأخبر الحارس أنه وصل للتو، وأن الجرس انطلق مع دخوله وليس أثناء محاولته الخروج، وقام بخلع المعطف الذي يرتديه ليثبت للحارس أنه لا يحمل شيئاً، تأمل الحارس قامته، وأخذ منه المعطف ومرره أمام جهاز الإنذار وأعاده إليه بأدب، واعتذر له قائلاً إنه ربما هناك شريحة معدنية في الحذاء أو في الحزام هي التي أثارت الجرس.
عاد صاحبنا لمواصلة التسوق واشترى بعض الهدايا من عدة محلات دون مشكلات حتى قادته خطاه لمحل يحمل اسماً شهيراً لعلامة تجارية فاخرة، وبمجرد عبوره لباب المتجر انطلقت أجراس الإنذار من جديد، بادره اثنان من حراس الأمن هذه المرة، كانا يرتديان سترات سوداء فاخرة، ويتمتعان بقوام مفتول العضلات يثير الرهبة في قلب كل من يحدثانه. طلبا منه في أدب ولكن بحزم أن يقف بجوار الباب، أخذا منه أكياس المشتريات وأخذا يمررانها واحداً تلو الآخر على البوابة، لم ينطلق جرس الإنذار مع أي من الحقائب، حاول صاحبنا أن يشرح لهما أن السبب لا يكمن في المشتريات بل في شيء مما يرتديه لكنهما لم يصغيا لأي كلمة مما قال، وبعد أن تأكدا أن المشتريات (سليمة) اعتذرا بعبارات مختصرة وطلبا منه أن يتفضل بالتسوق، شعر الرجل بشيء من الإهانة فقرر أن يظهر لهؤلاء القوم أنه ليس من الفئة التي يظنونها، فقام بجولة سريعة في المحل ووقع اختياره على قلم ثمين قرر شراءه رغم سعره المرتفع وعدم تخطيطه المسبق لشرائه ولكن دافعاً خفياً في داخله جعله يبادر بشرائه انتصاراً لكرامته المهانة، قام بدفع ثمن القلم وحصل عليه في علبة مبطنة ومطرزة بالحرير مع ابتسامات مهذبة من البائع وباقي الموظفين، توجه نحو باب الخروج وهنا انطلق جرس الإنذار مجدداً كما هو متوقع، هنا كان صاحبنا يعتقد أن حراس الأمن سيعتذرون له وسيطلبون منه أن يمضي في سبيله ويتجاهل الجرس، لكن ولدهشته بادره الحارسان مرة أخرى بنفس السرعة وطلبا منه حقائب المشتريات ذاتها وقاما من جديد بنفس المهمة السابقة. هنا سألهما الرجل في دهشة، لماذا تكرران نفس الفعل وأنتما تعرفان أن الحقائب سليمة ولا تحتوي على شيء. أجابه أحدهما نحن نفعل ذلك لأجل كاميرات المراقبة، مادام الجرس يدق فلابد أن نقوم بذات الفعل وإلا تعرضنا للمساءلة من الشخص الذي يراقبنا.
هنا رفع صاحبنا حاجبيه في دهشة، لماذا ينبغي عليك أن تكون موضع اتهام وشك عند هؤلاء الغربيين رغم كل ما تبديه من انضباط والتزام؟ لماذا لا يقدرون احترامك للقوانين وتهذيبك؟ هل هي نزعة عنصرية خفية؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك؟ نفس الموقف قد يتكرر معك وأنت في المطار تستعد للمغادرة أو للقدوم، فتجد تعاملاً صلفاً غير مهذب من موظف الجمارك أو الجوازات أو حتى رجل الأمن المسؤول عن تفتيشك وتفتيش أمتعتك قبل صعود الطائرة. هذا التساؤل تطرق له د. جلال أمين في كتابه عصر الجماهير الغفيرة؛ حيث عقد مقارنة بين مشهد المسافرين بالطائرة قبل ستين عاماً ومشهدهم الآن، في الماضي كان السفر حكراً على فئة محدودة من الناس، كانوا يعتبرون الصفوة الارستقراطية، وكان التعامل معهم يتم بطقوس خاصة تليق بالأقلية، كان بإمكان الشخص أن يصعد للطائرة دون تفتيش حقيقي، ويستطيع أن يحمل معه ما شاء في الطائرة دون أن يشعر به أحد.
لكن الأمر اختلف مع دخول العولمة وتمكن فئة عريضة من الناس من السفر والتنقل لأسباب مختلفة، ففقد السفر احتكاره من قبل الطبقة الراقية وصار مشاعاً لأي شخص تقريباً بل وحتى للعمال واللاجئين الذين لا يحسنون القراءة والكتابة. استدعى ذلك انحداراً كبيراً في مستوى التعامل والخدمات، وارتفاعاً في مستوى التوجس والريبة، ولو أضفنا إلى ذلك حوادث الإرهاب المتكررة في بلدان غربية عدة، ومدى القلق الذي بات يتملك مسؤولي الأمن هناك من أن يتوجه لهم اللوم بسبب تساهلهم في الإجراءات، فأصبحوا يعاملون الجميع كمشتبه فيهم، وكإرهابيين محتملين حتى يثبت العكس، ولا يبدون اكتراثاً لمدى انزعاجك من تلك المعاملة مادامت القوانين الجديدة لمكافحة الإرهاب تحميهم وتقف في صفهم.
هنا تساءل صديقي: ما الحل؟ أجبته بأن عليه أن لا ينسى أن هذا الذي يواجهه هو ضريبة الرفاهية والراحة التي ينعم بها في رحلاته على متن الطائرات النفاثة التي لم يكن أحد يحلم بوجودها قبل عقود قليلة. وأن السفر مهما بدا ممتعاً فهو يظل قطعة من العذاب!

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٢) صفحة (٩) بتاريخ (٢٩-٠٣-٢٠١٧)