لم تشهد الأمة العربية قمةً باذخةً في تفاؤلها بمستقبل نحو الأفضل؛ كما شهدته قمة البحر الميت التي اختتمت أعمالها أمس. وعلى الرغم من طول المشوار وصعوبة التغيير، إلا أن وضع الأمور في نصابها الصحيح كان عنواناً لمناقشات وموضوعات القمة. قمةٌ عُقدت في ذروة وضعٍ عربيٍّ مركّب وصعب، وتعاني فيه كثيرٌ من دوله ألواناً من الاضطرابات والتهديدات.
ولذلك؛ كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز تشخيصاً بصيراً لوضع الأمة العربية، وتوصيفاً للمشكلات الكبرى، والتحدّيات الثقيلة التي على الزعماء أن يبذلوا كلّ طاقتهم. خاصة أنها الكلمة/ التشخيص أوضحت المشكلات وأوجدت الحلول التي يجب أن تعمل الأمة على تنفيذها كي تضمن استقرارها وأمنها.
مشكلات الحاضر يجب ألا تنسينا مشكلات الماضي.. ولذلك أكد الملك سلمان على أنه يجب ألا تشغلنا الأحداث الجسيمة التي تمر بها منطقتنا عن تأكيدنا للعالم على مركزية القضية الفلسطينية لأمتنا، والسعي لإيجاد حل لها على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية. إنها القضية الجوهرية التي تمحورت حولها كلمته الضافية. الكلمة التي انشغلت بتشخيص الأوضاع ووضع الحلول، بكل وضوح وشفافية.
وهي شفافية توقفت عند الشعب السوري الذي مازال يتعرض للقتل والتشريد. وهذا التوقف يوجه رسالة للعالم أجمع بأهمية إيجاد حل سياسي ينهي هذه المأساة ويحافظ على وحدة الوطن ومؤسساته، وفقاً لإعلان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2254. إنه الموقف القانوني الشرعي الذي تجمّعت حوله الأطراف السورية أمام المجتمع الدولي.
الشفافية بدت أشدّ وضوحاً في كلام الملك سلمان عن اليمن، وعن وحدة اليمن التي كانت للسعودية اليد الطولى فيها لإيقاف المد الفارسي، وتعنوَنت اليد بإطلاق «عاصفة الحزم» المرتبطة بسلمان الحزم. عاصفة وضعت نصب عينها المحافظة على وحدة اليمن وتحقيق أمنه واستقراره، وسعت إلى الحل السياسي للأزمة وفقاً للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ونتائج الحوار الوطني اليمني وقرار مجلس الأمن 2216. والملك، هنا، لم ينس ما هو ملحٌّ في اللحظة الراهنة، ألا وهو تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب اليمني، في جميع مناطقه، وليس في منطقة دون أخرى.
إنه همُّ الأمة العربية الذي حمله ـ ويحمله ـ خادم الحرمين الشريفين، ولذلك دعا الليبيين إلى الحفاظ على أمن واستقرار ووحدة الأراضي.. أراضيهم، ونبذ العنف ومحاربة الإرهاب وصولاً إلى حل سياسي ينهي أزمتهم.
وإن كانت السعودية من أكثر دول العالم التي تضررت من الاٍرهاب وأكثرها نجاحاً في محاربته، فإن الملك يؤكد دائماً أهمية محاربة هذا الوباء، وكانت دعوته لتضافر الجهود لمحاربتها وبكافة الوسائل مسألة مهمة ومطلباً عربياً ودولياً، وقد سبقت المملكة فيها دول العالم جمعاء وحذرت منها منذ عقود مضت.
القمم العربية الماضية لا تحمل، عادة، أخباراً جيدة للعالم العربي الذي لم يعد يتفاءل بنتائجها وقراراتها. هذه الأسباب وغيرها هي مما يُدركه خادم الحرمين الشريفين الذي دعا إلى إعادة هيكلة الجامعة العربية وإصلاحها وتطويرها بأسرع وقت ممكن، لتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. ركز الملك سلمان على تفعيل قراراتها التي إن تحققت فستسهم في تطوير وتعزيز العمل العربي المشترك في كافة المجالات.
كانت كلمة تُضارع العلاج الناجع للمشكلات العربية القائمة، ولمشكلات الجامعة العربية التي أُنشئت منذ سبعين عاماً.. هي رؤية ملك، ملك استقبله الأردن بما لم يستقبل بِه زعيماً آخر من قبل، ملك ضارعت به المعتصم.

YouTube Preview Image
خالد بوعلي
رئيس تحرير صحيفة الشرق
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٣) صفحة (٩) بتاريخ (٣٠-٠٣-٢٠١٧)