من أجمل وأنفع ما قرأت من التوصيات التي تم طرحها من خلال أعضاء مجلس الشورى قبل أيام، ضرورة تكليف هيئة تعمل تحت مظلة وزارة الصحة أو المجلس الصحي السعودي، للتعامل مع الأدوية المصروفة سلفاً للمرضى، التي انتهت حاجتهم إليها ولا تزال صالحة للاستعمال، ولم تنتهِ صلاحيتها بعد، لإعادة تدويرها والاستفادة منها، وأيضاً تفادياً لضررها الكبير على الإنسان والبيئة. خاصة إذا علمنا أن هناك هدر بالأدوية قفز من 4.5 إلى 5.5 مليون في عام. ومع وجود التأمين الطبي، لا يخفى على أحد أن المريض أصبح سلعة ذات قيمة للمستشفيات والمستوصفات التجارية أكثر من كونه حالة إنسانية وأخلاقية، فمدخولات وأرباح المستشفيات الخاصة كبيرة جداً، مقارنة بما تقدمه من خدمات علاجية لا ترتقي بتطلعات المواطن وعدم كفاءة طواقمها على المستوى المطلوب. إن الأدوية والعقاقير تعد من أكبر مصادر الربح التي يمكن استغلالها لرفع سقف الأرباح في المراكز الصحية، فبمقدور الطبيب أن يصرف للمريض أكثر من حاجته، وهو الواقع المشاهد، أضف إلى ذلك العروض والهدايا التي تقدمها شركات الأدوية للمستشفيات والصيدليات، كمقابل ودافع لتصريف الكم الهائل من الأدوية. كل ذلك أنتج في بيوتنا، مستودعات للأدوية حتى أصبحت البيوت أشبه ما تكون بصيدليات مصغرة، وأصبحت الأدوية تتكدس في تلك البيوت بلا ضرورة نتيجة تعافي المريض، أو عدم الحاجة لبعضها، أو نتيجة استبدالها بأدوية أخرى أكثر ملاءمة للمريض. قبل أزمان كانت المبادرة عن طريق الجمعيات الخيرية لجمع المتبقي من تلك الأدوية وتوزيعها على المحتاجين خارج المملكة، ولكن المبادرة واجهت عدة تحديات أجهضتها، منها الكم الهائل من الأدوية التي تم استقبالها مع صعوبة فرزها، وعدم وجود العدد الكافي من الاختصاصيين الصيادلة والمتطوعين للعمل على تصنيفها وتوزيعها. وبالنظر للواقع الأليم فإن المستشفيات والمستوصفات الخاصة فضلاً عن الحكومية بإمكانها الاستفادة من المتبقي من تلك الأدوية كما أشارت التوصية، وذلك من خلال تخصيص أماكن لاستقبال فائض الأدوية والمتبقي منها، كون وجود الفائض في البيوت يشكل خطراً على الأطفال، إضافة إلى عبء تخزينها، وما يتم إتلافه منها في البيوت فيتم عن طريق سلال النفايات العامة في حين أن المستشفيات توفر سِلالاً خاصة لإتلاف المنتجات الطبية والعقاقير والأدوية تختلف تماماً عن سلال النفايات الأخرى. إن المواطن أو المقيم الذي سيقوم بإرجاع ما تبقى من الأدوية لهذه المراكز الطبية بالتأكيد لن يطلب المقابل عليها رغم أنها مدفوعة الثمن، ولكن من باب الأجر والمثوبة كي يتسنى لغيره الاستفادة منها، إذاً فالفائدة مضمونة لتلك المستشفيات والمستوصفات لإعادة تدويرها وبيعها مرة أخرى، وقد تكون تكاليف إعادة التدوير أعلى من قيمة الإنتاج، فالأمر إذن بحاجة لدراسة جدوى. أخيراً بإمكان مصانع الأدوية تقليص كمية الأقراص الموجودة في علب الدواء بما يتناسب مع الحالات المرضية، بالتالي تنخفض أسعار تلك الأدوية، وتصبح بمتناول الجميع، فمن التبذير والسرف أن يشتري المريض الدواء بالقيمة الفلانية، وهو يحوي ما يقارب من 30 قرصاً في حين أن الطبيب قد يصف الدواء له لسبعة أيام بمعدل سبعة أقراص فقط.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٤) صفحة (٩) بتاريخ (٣١-٠٣-٢٠١٧)