سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

لكل شخص في هذه الحياة ثلاث صور، الصورة التي يراها به الناس (وهي مختلفة بالطبع من شخصٍ إلى آخر فقد يراك أحدهم رائعاً بينما يراك آخر وضيعاً من زاويته وبمعاييره) والصورة التي يرى بها نفسه وأخيراً الحقيقة. إن أهم تلك الصور على الإطلاق هي تلك التي يرى بها المرء نفسه، فالكيفية التي يقرأ بها ذاته والصفات التي يظن أنه يملكها أوتلك التي لا يظن أنه يملكها، الدور الذي يتخيل أنه يلعبه أولايدرك أنه يلعبه كأن يرى أنه الضحية دائماً أو المجني عليه مثلاً فيتصور عدم صدور الخطأ منه فينزه نفسه أو يمنحها قدراً هائلاً من المبررات أو أن يضفي عليها غلافاً شفيفاً من الطهارة فيبلغها بكل ذلك إلى أحد مستويات الكمال، فيمنح نفسه نظرة فوقية سامية مثالية فيقع حينها ضحية أناه الزائفة ويتورط بأن يأخذ نفسه على محمل الجد!
قد يظن أحدكم أن أصحاب الأنا الزائفة ماهم إلا المتكبرون أو المتغطرسون لكن الحقيقة أن للأنا الزائفة طيفاً متدرجاً له حدان ينطوي تحته عدد هائل من النماذج المتناقضة التي تدفع جميعاً ضريبة صورتها المثالية الوهمية التي تثقل كواهلها وتصبح المحرك الحقیقي لحياتها فتقف وراء معظم القرارات وتكون الدافع وراء السلوكيات والأفعال وردات الأفعال. فعلى سبيل المثال حين ترى نفسك شخصاً مثالياً خالياً من النواقص ستحاول قدر المستطاع أن تحافظ على هذه الصورة فتقف متردداً أمام أي خيار تتخذه فتمحصه فوق ما يستحق بل قد تعجز عن الإقدام عليه خشية الفشل أو الخطأ وخوفاً من تشوه صورتك تلك فتكون المحصلة أن هذه الأنا الزائفة قد خلقت شخصاً متردداً ضئيلاً محجماً عن خوض التجارب، وحتى لوتجرأ يوماً ما على خوض إحدى تلك التجارب فإن أصحاب هذا النوع من الأنا هم أكثر من يتحطمون نتيجة النقد أوالفشل لأن من شأن كلمة واحدة الإطاحة بالعرش الوهمي الذي يتربعون عليه وحينها قد تحدث كارثة نفسية لا يحمد عقباها. في الطرف الآخر من هذا الطيف الواسع قد تجد بعض الأشخاص الذين خلقت لديهم هذه الأنا حالة من التضخم والغرور فأصبحوا عاجزين عن إدراك أخطائهم أو يرفضون تلقي النصح والإرشاد والأسوأ أنهم لا يرون أي سبب مقنع لمحاولة تصحيح أوتهذيب ذواتهم. سيحاول هؤلاء الفقاعات الذين يتوسمون في أنفسهم خلاف الحقيقة أن يتبوأوا مناصب غير التي يستحقونها، فإما أن ينجحوا في سعيهم فيصبح لدينا الشخص غير المناسب في موقع حساس وتلك مصيبةٌ وإما أن لا ينجحوا فيتملكهم شعور بالمظلومية ويرهقون أنفسهم بالمطالبات والمحاولات وينشرون الطاقة السلبية المحبطة حولهم وتلك مصائب.
والآن وبعد أن استعرضنا بعض النتائج الخطيرة لسيطرة الأنا الزائفة وتحولها إلى المنظار الملوث الوحيد الذي نرى عبره هذا العالم فإن علينا مراجعة أنفسنا لنتحرر من عبوديتها وثقلها، في المواقف مثلاً وعند اتخاذ القرارات لنتأكد من المسؤول من صاحب الكلمة الأخيرة نحن أم الأنا!! لننزع الغشاوة ولنتأمل تلك الصورة التي رسمناها لأنفسنا ولنكن على يقين أن لا أحد يبلغ الكمال، لنتصالح مع نواقصنا وأخطائنا وعيوبنا بدل أن نتجاهل أوننفي وجودها، لنكن واقعيين بعيدين كل البعد عن حمل أنفسنا على محمل الجد ولنعش الحياة بكل تجاربها وكل خياراتها واحتمالاتها ببساطة وعفوية وتلقائية، حينها سنستمتع بالحياة أكثر وسنكون أكثر إقداماً وأكثر تقبلاً للنقد وأقل قسوة مع أنفسنا في حالة الوقوع في الخطأ، ففي النهاية ما نحن إلا بشر وجل من لا يسهو!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٤) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-٠٣-٢٠١٧)