ربما ما سأكتبه هنا لا يروق لنقَّاد الأعمال الدرامية الذين هم أقدر وأعرف مني بهذا الميدان، لكن سأكتب عن «مسلسل عمر» من وجهة نظر شخص متابع، ومواطن عربي يجد أنه جزء لا يتجزّأ من هذه الأمة الممتدة من الخليج إلى المحيط، أحبّ «عمر التاريخ»، فتابع «عمر المسلسل»، فجاء بعد ذلك ليكتب عن مشاهداته وملاحظاته لهذا المسلسل.
خطأ «ميليشيات الرفض والاحتجاج» المنتشرة هذه انتشار حشائش السافانا في المناطق الاستوائية، أنها جماعات مصاحبة لأي عمل فني تاريخي جديد، فهي ترفض دون تقديم البدائل لهذه الموانع.
لذا، بصرف النظر عن صرخات الرفض والتحريم التي أثيرت حول المسلسل، وهي في ظني لا تقدم ولا تؤخر في موضوع جودة العمل الفني أو رداءته، لأن مسألة الفصل بين الفن والأخلاق، أو الدين والشعر وفق الفهم العربي التقليدي، موضوع أكل عليه الدهر وشرب، ولم يعد للحديث فيه فائدة هذه الأيام.
الحديث في هذا الشأن، قائلين إن كل موضوع له سياقه الفني الخاص به وآراؤهم منشوره في كتبهم، وقد تكلمت في إحدى مقالاتي الأسبوعية قبل أشهر خلت عن هذا الموضوع.
كان لا بد من الدخول في هذا المدخل للحديث عن «مسلسل عمر» الذي مازلت حتى الآن أتابع بعض حلقاته كلما تحين لي الفرصة في ذلك، وهذا بطبيعة الحال عائد لقوة تأثيره، ومقدرته كمسلسل أن يفرض هذا الحيّز من الاهتمام والمتابعة.
كثير منّا قرأ التاريخ، وتابع حركاته وشخوصة عبر الحروف والكلمات، وكل واحد منّا له أخيلته الخاصة به، لكن أن يتحوّل هذا التاريخ بشخوصه وأحداثه من كلام مكتوب ومقروء إلى مشاهد سردية تجسدها كاميرات الإخراج والتصوير، فهذا هو الإنجاز الكبير في عالم التقنية والاتصالات وعوالم التلفزة المتعددة، لأن أغلب الناس لم تعد تقرأ، علاوة على سيطرة عالم الصوت والصورة والحركة على ثقافة الناس، حتى أن التلفاز المعروف لم يعد له ذلك الحضور المعتاد، فكل واحد منّا أصبح الآن يحمل تلفازه معه أينما حلّ وارتحل.
هذه البراعة في الإخراج وقوة تأثير المشاهد، وبراعة التحكم بكل هذه الأعداد من الممثلين، يعود الفضل في نجاحها – بعد الله – لبراعة حسن أداء المخرج الفذ حاتم علي الذي منح المسلسل بعده الفني الدقيق، وفوق هذا كله، ما لفت انتباهي في مسلسل عمر بن الخطاب، ليست طبيعة المسلسل، ولا شخصية عمر التي جسدها الممثل «سامر إسماعيل»، فأنا – ولله الحمد – قرأت عن الفاروق قبل مشاهدة المسلسل بسنوات بعيدة، لكن ما أثارني في المسلسل هي روح الممثلين الإبداعية، خاصة مع من قام بأدوار «خالد بن الوليد – عمرو بن العاص – هند بنت عتبة – بلال بن رباح – أميّة بن خلف «أكثر من كل الشخوص التاريخية الأخرى، بما فيهم صاحب المسلسل الذي كانت كل الأحداث تدور حوله، والذي قام الممثل بأداء دوره المناط به خير أداء.
لو عدنا للشخوص السابقة، وحاولت الانتقاء منهم شخصية المسلسل العظيمة – من وجهة نظر هذه السطور – لكان الممثل «مهيار خضور» الذي جسد شخصية «خالد بن الوليد» كونها أهم شخصية، فقد كانت عمود الارتكاز في هذا البناء الفني الشامخ، وأعتقد أن براعة الممثل في أداء الدور المطلوب منه، وحماسه الواضح للعمل الذي يعمله، هما من أهم عناصر التفوّق الفني والدرامي عند هذا الفنّان، لا سيّما أن روح التوثب خفتت في المسلس عندما توارت شخصية «خالد بن الوليد» عن الأنظار، حيث تحوّل من عمل درامي فيه كثير من الإثار إلى حلقات يغلب عليها الجانب الوعظي الإرشادي .
لستُ ناقدًا فنيًّا، لكن لا يمنع أن يكون لي رأي وأدلو به في هذا الشأن، ولعل التزام كاتب المسلسل بالكثير الكثير من الجمل التاريخية التي حفظتها لنا الكتب هو سر إبداعه الفني، ومقدرته المهارية الراقية في تحويل ما هو مكتوب إلى عمل مرئي عظيم، وهو – أي كاتب المسلسل – كمن يسير على حد السكين، وهذا الفعل يحتاج لجهد عقلي وثقافة عالية وحس فني راقٍ قادر على المزج بين المواقف والروايات، ولديه القدرة على ردم أي فجوات يجدها أثناء مسيره في تأدية العمل، أو خلق مشاهد ابتكارية جانبية تشدّ من أزر العمل، وتبثّ الحياة فيه.

محمد الظفيري
شاعر وباحث وناقد يعمل محاضرًا في أكاديمية الشعر التابعة لهيئة أبو ظبي للتراث والثقافة في دولة الإمارات العربية… المزيدشاعر وباحث وناقد يعمل محاضرًا في أكاديمية الشعر التابعة لهيئة أبو ظبي للتراث والثقافة في دولة الإمارات العربية المتحدة, منذ عام 2009 مـ ، ولا زال ، له العديد من الكتابات سواء القصائد أو المقالات أو الدراسات النقدية نشرت في عدداً من الصحف الكويتة والسعودية و الإماراتية والعمانية. له العديد من اللقاءات التلفزيونية في عدد من القنوات الفضائية وعدد من الإذاعات العربية.
صدر له عدد من الكتب منها (إضاءات على قصائد شعبية، الشعر رجل والقصيدة امرأة، غناء العابرين، ثورة القصيدة الشعبية، دراسة في ديوان الشاعر سند الحشّار، قصائد ومقامات)
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٥) صفحة (٨) بتاريخ (٠١-٠٤-٢٠١٧)