إن استعصى ذلك عليه بمحاولاته الأولى فلا ييأس وإنِّما عليه أن يحاولَ ولكن بتفكير أعمق، وبتشخيصٍ وتحليلٍ متعمِّق، فلربَّما اهتدى لتحقيق ما لم يتحقَّق كاملاً أو جزئيّاً، وليكن صبوراً بمواجهة مشكلات مجتمعه إلى أن تتوارى بتأثيراتها السَّلبيَّة…

حيثُ إنَّ الفردَ السويَّ تفكيراً، السامي أخلاقاً وتصرُّفاتٍ ومواقفَ وردود أفعال، المدرك لإيجابيَّاتها الواعي بسلبيَّاتها؛ سيكون مصدراً ثريّاً للخير وللعطاء لنفسه ولأسرته ولمجتمعه ولوطنه، وسيكفُّ شرَّه وأذاه فعلاً وقولاً عن الآخرين وعن وطنه كياناً وبيئةً، وسينظر إلى ذلك بإيجابيَّاته كواجباتٍ وطنيَّة ملزمة، وإليه في سلبيَّاته كمنزلقاتٍ اجتماعيَّة مسيئةٍ عليه تجاوزها وردمها فكريّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً فلا يقع فيها مواطنوه ومُسَاكِنُوهم من المقيمين، فإن استعصى ذلك عليه بمحاولاته الأولى فلا ييأس وإنِّما عليه أن يحاولَ ولكن بتفكير أعمق، وبتشخيصٍ وتحليلٍ متعمِّق، فلربَّما اهتدى لتحقيق ما لم يتحقَّق كاملاً أو جزئيّاً، وليكن صبوراً بمواجهة مشكلات مجتمعه إلى أن تتوارى بتأثيراتها السَّلبيَّة.
من هذا المدخل الموجز، وهذا العرض المطروح تحفيزاً، انبثقتْ فكرة مقالتي هذه، طرحٌ لا أدَّعي جدَّته فقد طرحتُه سابقاً، كما أنَّ غيري قد طرحوه، ولكنِّي حينما ألحظ أنَّ مجتمعاتنا ما زالت دون وعيها المأمول فإنَّ هذا يسوِّغ لي الطرحَ مجدَّداً لعلَّي أن أسهم بالتغيير المنشود، وسأوجِّه خطابي بمقالتي هذه إلى المواطن باعتبار أنَّ المقيم حينما يأتي إلى بلادنا لأول مرَّة يراقب ذاته إلى اكتشافه أنَّ مواطنين لا يأبهون بأنظمة بلادهم ولا يحترمون مبادئها وقيمها العامَّة، وحينها سينساق في هذا الاتِّجاه المبرِّر تصرُّفاته ومواقفه الخاطئة فقلَّما أن يحاسبَ عليها.
إنَّ من حقِّ الوطن على المواطن ألا ينساق وراء أنانيَّته العالِم بتأثيرها سلباً على مجتمعه ووطنه، فهذا سيكبح عطاءاته الاجتماعيَّة والإنسانيَّة التي يستحقُّ بها صفة المُوَاطَنَة، وسيصدُّ تأثيره الفكريَّ والثقافيَّ في نفسه وفيمن حوله، فلا يستطيع كفَّ الأذى منه عن نفسه أولاً وعمَّن حوله ثانياً، فضلاً عن تمكُّنه من كفِّ أذى الآخرين على غيرهم، وأحسب أنَّ توجُّه المواطن لذلك وقدرته عليه سيجعله آمراً بالمعروف لنفسه ولغيره، وناهياً عن المنكر من نفسه ومن غيره، فمن حقِّ الوطن عليه أن يكون عيناً ساهرةً ورجلَ أمن يقظاً يكشف المتطرِّفين والإرهابيِّين ومروجِّي المخدرات ويتصدَّى لهم، ليضيفَ لجهود الوطن ورجال أمنه نجاحاتٍ استباقيَّة وليحول دون نجاح أعداء وطنه لضرب أمنه واستقراره، ولتجنيد مراهقيه وشبابه ليعبثوا فيه أو لجرِّهم لمسارات الجريمة والانحرافات الأخلاقيَّة، وعموماً تتجلَّى المواطنة الحقَّة في سلوك المواطن بالآتي:
* بترجمتها تصرُّفاتٍ ومواقفَ فلا يسيءُ لبيئة وطنه، فلا يرمي نفاياته في الشوارع والحدائق والمتنزَّهات البريَّة، ولا يحرِّق مخلَّفاته المنزليَّة والزراعيَّة والصناعيَّة، وأن يتركها لجهات الاختصاص لفرزها فإحراقها أو ردمها، وأن يستخدم المبيدات الزراعيَّة وفق إرشادات الجهات المختصَّة مراعياً اختيار الأنسب منها وفترات تحريم تسويق منتجاته الزراعيَّة، وأن يرشِّد استخدامه للمياه منزليّاً وزراعيّاً، واستهلاكه للكهرباء، وإنتاجه للنفايات؛ فقد أشارت المعدَّلات في ذلك للمواطن بأنَّها تفوق المعدَّلات العالميَّة بكثير، وألَّا يسيء للغطاء النباتي الطبيعيِّ فيسهم بتصحُّر الوطن، أو للمياه الإقليميَّة الوطنيَّة فيؤثِّر على كائناتها الحيَّة، وأن يكون له دورٌ في الحدِّ من كلِّ هذه الممارسات السلبيَّة من الآخرين.
* باهتمامه بسلامة الممتلكات العامَّة والخاصَّة وبسلامة مشاركيه المرور في الشوارع والطرق فلا يسرع بمركبته ولا يفحِّط بها ولا يقطع بها الإشارات المروريَّة، ولا يوقفها وقوفاً غير نظاميٍّ يسيء لمستخدمين آخرين ويعيق انسيابيَّة الحركة المروريَّة، وأن يراقب أنوارها صيانةً واستخداماً.
* باحترامه أنظمة العمل فلا يؤوي الهاربين من العمالة الرجاليَّة والنسائيَّة ولا يستخدمهم، وباحترامه أنظمة الحج والعمرة تصاريحَ وممارسةً للشعائر، وفوق ذلك عليه أن يسهم في الحدِّ من كلِّ هذه الممارسات السلبيَّة من الآخرين.
* بألَّا يستخدم طرقاً ملتوية لتحقيق مصالحه فيرشو أو يرتشي أو يزوِّر أو يزيِّف حتَّى وإنْ ضاعت عليه بعض مصالحه المشروعة؛ بل عليه أن يقف سدّاً دون ممارسة الآخرين لها بكشفهم لجهات النزاهة الوطنيَّة فيسهم بمواجهة الفساد والحدِّ منه، فعليه ألَّا يتجاوز أحقيَّته بمنحه قطعةَ أرض سكنيَّة واحدة، وقطعةَ أرض زراعيَّة محدودة، وألاَّ يتعدَّى على الأراضي الحكوميَّة مدَّعياً إحياءها أو تملُّكها، أيمتلك مئات الآلاف من الأمتار إن لم تكن ملايينها ومعظم المواطنين عاجزون عن امتلاك قطعة أرض سكنيَّة وهم يساوونه بالمواطنة؟!!.
* باحترامه للمرأة السعوديَّة قولاً وفعلاً، فلا يجور عليها عضلاً واستيلاءً على راتبٍ أو ميراث، ولا ينتقص حقوقها الأسريَّة عليه، ولا يضايقها بتحرُّشٍ أو بتهمة أو بوصفٍ منفِّر، فليحترمها وليرأف بها وليقف معها قولاً وعملاً إن لاقت من غيره هذه التجاوزات وسوء المعاملة، وألا يتَّخذ منها ومن اهتماماتها النسويَّة مجالاً للتنكيت والتهريج مسيئاً لنفسيَّتها ولمشاعرها، فليكفَّ أذاه وأذى الآخرين عنها.
* بإسهامه من خلال منشأته بتشغيل المواطن والمواطنة دون أن يستغلَّهما أو ينتقصَ من حقوقهما، وأن يفضِّلهما على الأجنبيِّ والأجنبيَّة إذا كانا يساويانها في القدرات أو المهارات، وإن كانت أدنى فليكسبهما الخبرات بالتدريب وبالصبر، وأن تكون للمطلَّقة والأرملة وأصحاب الاحتياجات الخاصَّة في منشأته فرص وظيفيَّة إذا أمكن ذلك، فبذلك سيخدم وطنه بتقليل نسبة البطالة ونسبة العمالة المستقدمة، فالمواطنة الحقَّة أسمى من المكتسبات الماديَّة.
هذا وهناك جوانب كثيرة لم تتَّسع لها مساحة المقالة أتركها للقرَّاء الأعزَّاء ليضيفوها في تعليقاتهم، إذْ على المواطن مراقبةَ مواقفه وتصرُّفاته وتقويمها في ضوء المواطنة الحقَّة، ولا أخفي القرَّاء أنَّني بعد كتابتي مقالتي راجعتُ نفسي فوجدتُ ما ينبغي عليَّ تصحيحه، وهذا أملٌ بالقرَّاء لمراجعة أنفسهم أيضاً فيصحِّحون من مواقفهم وتصرُّفاتهم ما يجعل المواطنة الحقَّة موجِّهةً لسلوكاتهم كلِّها ودائماً، فلا يعيبهم ذلك بقدر ما يزيدهم مواطنةً ومصداقيَّة وموضوعيَّة، فالوطنُّ يستحقُّ منِّي ومنهم ذلك وفوقه.

عبدالرحمن الواصل
اختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر،… المزيداختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر، نشرت له ثلاث مجموعات شعرية، يكتب أدب الطفل والمسرحية الشعرية.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٦) صفحة (٩) بتاريخ (٠٢-٠٤-٢٠١٧)