عبدالعزيز الروضان

عبدالعزيز الروضان

يرتكز الدين الإسلامي الحنيف على عدة مصادر رئيسة، ومن أهم هذه المصادر وأسماها (القرآن الكريم، وصحيح السنة الشريفة) والمصدر الأول كتاب الله، فهو قطعي الثبوت لا مراء فيه ولا جدال.. ولكن الجدال أحياناً يكون حول صحة نصوص المصدر الثاني وهو الحديث النبوي الشريف. إن الحديث النبوي تعتمد صحته على قاعدتين رئيستين هما «السَّنَد، المَتن» وهاتان القاعدتان هما المعول عليهما في صحة الحديث من عدمها. إن علماء الأمة الإسلامية لا سيما سلفها قد أولوا هذا الجانب أهمية كبيرة من أجل خدمة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وهناك عِلم انفردت به الأمة الإسلامية تجاه تراثها بالنسبة للحديث النبوي يسمى هذا العلم «علم الجرح والتعديل»، وهو يبحث عن الرواة وصفاتهم الحسنة والصفات التي تقدح فيهم.. ومن ثم يُقال عبر هذا العلم هذا حديث صحيح وذاك حديث غير صحيح.. لا أريد أن أطنب في هذه المقدمة فأهل الاختصاص هم في غنى عن هذه المقدمة.. إن الذي سأبحث فيه في هذا المقال هو جهود العلماء في تقصِّيهم واهتمامهم بالسند على حساب المتن! فهم اعتمدوا كثيراً من أجل صحة الحديث على صحة السند. ولي في هذا المقال وجهة نظر متواضعة وهي قولي لو أن علماء الأمة الإسلامية اعتمدوا كذلك على المتن كاعتمادهم على السند لكان الأمر أكثر نضوجاً وأكثر خدمة للسنة الشريفة. إن الاعتماد على السند اعتماداً كلياً على حساب المتن أرى أن مثل هذا التوجه عليه بعض المثالب لأني أرى أن الاعتماد على صحة المتن أولى من الاعتماد على صحة السند.. لأن المتن الصحيح نستأنس منه بعدة دلائل، وهي أن هذا المتن أتى موافقاً لمقاصد الدين أو مخالفاً لها. إن تماس مضامين المتن مع مضامين الدين الإسلامي بغض النظر عن راوي هذا النص أو ذاك، ولكن السند يفتقر إلى هذا الاستئناس لأن السند لا دلائل ولا علامات على صحته سوى وثوقنا بهذا الراوي أو ذاك. إن الدراية يجب أن تُقدم على الرواية بمسافة كبيرة. إننا إذا جعلنا السند أمام المتن كأننا والحالة هذه نضع العربة أمام الحصان. إن تقديم السند على المتن قد تكمن خطورته في تلك الأحاديث التي تُبنى وتُؤسس عليها الأحكام الشرعية. إذاً إن عرض المتن على مقاصد الدين لنتعرف على صحة هذا الحديث أو ذاك أولى بكثير من عرض هذا السند أو ذاك على علم الجرح والتعديل، لأن الدلائل المنصوبة على صحة المتن من عدمها هي أكثر وضوحاً من صحة السند من عدمها. إن الأمة الإسلامية ما مُنيت بكثير من مطباتها الفكرية وهنَّاتها الفقهية إلا يوم أن عولت على السند في تصحيح أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على حساب المتن. إني أرى أن أعداء الأمة الإسلامية ما نفذوا إليها في العداء إلا من باب الأحاديث التي صُححت من قِبل الأمة الإسلامية وهي غير كذلك! ومن ثم عاب أعداء هذا الدين الإسلامي من هذا الباب. وهنا قفز إلى ذهني شيء مهم وهو أن الأحاديث غير الصحيحة التي رأى علماء الدين الإسلامي أنها صحيحة وهي غير كذلك تصطدم هذه الأحاديث مع فكر الذين يريدون الدخول في هذا الدين، ولكن مثل هذه الأحاديث تقف حجر عثرة أمام دخولهم إليه. إن علماء الأمة الإسلامية اليوم وربما بالأمس لا يملكون الجرأة على تصحيح ما أتى به سلف هذه الأمة بحجة واهية وهو أنهم يرون أنفسهم أقل من الذين سبقوهم، ولكن إن مثل هذا الحدس ليس بصحيح.. فكتاب الله تعالى ينقضه، قال الله تعالى مبيناً أنه ربما يأتي من اللاحقين بمثل ما أتى به السابقون: (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)، إذاً لماذا هذه الهيبة والأمر كذلك! بل إن الأمر على العكس، إنه قد أتيح للآخرين اليوم أكثر مما أتيح في الزمن السابق.. فيستطيع العلماء اليوم التواصل والتلاقح في الآراء أكثر مما كان في الأمس. إني حينما أتكلم عن خطورة أبعاد هذا الموضوع فإني أرجو أن لا يُعتقد أن مثل هذا الكلام هو نزق فكري أو ترف معلومة وحسب.. بل هو ضرورة فكرية من أجل خدمة ديننا الحنيف. إن الدين الإسلامي يجب أن يقدم للبشرية تقديماً متيناً يليق بمضامين نصوصه، فهذا الدين هو بلسم شافٍ لجراحات البشرية المادية منها والمعنوية.. ومن أجل ذلك يجب أن لا نُخرج ما هو من الدين، ولا نأتي بنصوص ليست منه. فإذا كان الأمر كذلك فُهم هذا الدين الذي يقول الله عنه في محكم آياته (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٧) صفحة (٨) بتاريخ (٠٣-٠٤-٢٠١٧)